وفقاً للاتفاق الأمني بين واشنطن وبغداد، يفترض أن تنسحب قوات الاحتلال الأميركية إلى خارج المدن العراقية مع نهاية يونيو الحالي ومن العراق كلياً خلال ما لا يزيد عن ثلاث سنوات.
قضية الانسحاب والاتفاق المتعلق بها تمثل موضوعاً للتناظر والخلاف بين العراقيين. فالبرلمان العراقي صادق على الاتفاق بأغلبية بسيطة في أواخر نوفمبر 2008، ورهنت كتل سياسية موافقتها النهائية عليه بشرط جازم هو إجراء استفتاء شعبي حوله بحلول نهاية يوليو المقبل. الأمر الذي لم يحدث ولا توجد مؤشرات على حدوثه، أقله في الموعد المحدد.
الجدل العراقي الداخلي ومؤشرات التقاعس عن إجراء الاستفتاء، تكفي للاعتقاد بأن قضية الانسحاب سوف تثير مزيدا من الخلافات بين القوى العراقية. ومع أن الجنرال راي أوديرنو قائد القوات الأميركية بالعراق يقول بأن قواته ستغادر المدن في الموعد المتفق عليه، وهو ما أكده الرئيس الأميركي أوباما في خطابه بجامعة القاهرة، إلا أن هناك ما يدعو في الوقت ذاته لتصديق التلميحات الأميركية بأن الانسحاب الكامل لن يحدث قبل ما لا يقل عن عشرة أعوام!.
فمع تقديرنا لاعتراف أوباما وفريقه بالأخطاء الأميركية في المسألة العراقية، ولجهود الحكومة العراقية في إثبات الجدارة الأمنية وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة، تمهيداً للانسحاب المطلوب، إلا أن ثمة محددات صارمة تثير الشكوك في احتمال وقوع الانسحاب الكامل بحلول العام 2012.
فهناك أولاً التكاليف الباهظة للحملة الأميركية العراقية وقوامها نحو تريليون دولار وأكثر من أربعة آلاف قتيل وأربعين ألف جريح ومعاق..، التي يتعين على صناع القرار تبريرها بمكاسب مقابلة لم تتحقق حتى الآن. وهذا يقودنا للمحدد الثاني الذي يتعلق بالسيطرة طويلة الأجل على بحر العراق النفطي على سبيل التبرير المطلوب، والتي لا يضمنها شيء أفضل من الوجود العسكري الأميركي عن كثب. وهناك ثالثاً، الاحتمالات المخيفة بالنسبة للتأثير الأميركي الاستراتيجي في العراق ومحيطه في حال مغادرة العراق، قبل ترتيب الحالة النظامية العراقية داخلياً وتقييد الدور الإيراني خارجياً، وهما هدفان لا يسهل إنجازهما في الأجل القصير.
وهناك رابعاً، التحريض الإسرائيلي علي بقاء الوجود العسكري الأميركي بالعراق بنية الضغط على المد الإيراني وبقية قوي«الممانعة الإقليمي»،إلى حين زوال الهواجس الإسرائيلية. أفلح الرئيس الأميركي إن صدق في الانسحاب الكلي من العراق بعد ثلاث سنوات.. غير أن الأمر موصول بقضايا شديدة التعقيد، يصعب حلها في هذه المدة.