يتعاطف العالم اجمع مع ضحايا الطيران التي تحدث هنا وهناك، وتقشعر الأبدان لسماع هذه الأخبار، ويتوقف البعض ليتقصى عن آخر تفاصيل الحادث وأسبابه، خاصة أولئك الذين يخططون لرحلات سفر في موسم الصيف والإجازات. ولعل النكبات تبقى محفورة في الذاكرة بتفاصيلها، بخاصة وان العالم قد تحول إلى قرية صغيرة بمعنى الكلمة.
وبنظرة على أهم الحوادث التي حدثت في التاريخ سنجد أن هناك سجلا مرعبا قد يجعلك مترددا قبل التفكير في السفر بوسيلة تخترق الفضاء الخارجي، وتتداخل مع السحب والغيوم، وتكسر عزلة الظواهر الكونية كالصواعق والمنخفضات الجوية، وتبقى تحت رحمتها حتى اجتياز عنق الزجاجة.
ورغم ذلك تجد أن عالم صناعة الطائرات لم يتوقف عن تقديم النسخ المطورة من الاختراعات في هذا المجال والذي طرأت عليه تحسينات هائلة، وبتعقيدات تقنية ضخمة، ناهيك عن أن علم صناعة الطائرات يتداخل مع عدة علوم فيزيائية وكيميائية، كما ويتم تصنيف كل طائرة بناء على معطيات من أهمها استعمالاتها، ومهماتها، وتصميمها، وثقلها، وهذه المعطيات هي التي توجه اليوم صناعة الطائرات عالميا. وتسيطر الولايات المتحدة مع الدول الأوروبية على هذه الصناعة.
فقد كان لهم قصب السبق في اختراع هذه الماكينة المرعبة التي ترتفع عن سطح الأرض لتحلق في السماء مثل الطيور، الأمر الذي أحدث ثورة علمية تقدمية جاءت بدايتها على يد الأخوين الأميركيين «رايت»، اللذين ينسب إليهما معظم المؤرخين اختراع أول طائرة والقيام بأول تجربة طيران ناجحة عن طريق آلة أثقل من الهواء في العام 1903.
ولا تتوقف الحياة بالنسبة للمخترعين أينما كانوا عند الانجاز الأول، لان صناعة الطائرات قد اتخذت بعدا اكبر بعد ذلك، وقد تنبهت حكومة الولايات المتحدة لاختراع «الأخوين رايت» وقامت بتبني الفكرة، لذلك ازدهرت هذه الصناعة وانتشرت في مختلف الدول الصناعية ولا سيما الأوروبية، التي توجت اندماجها الصناعي من خلال طائرة ايرباص التي تعد توليفة أوروبية صرفة، واتت من خلال عدة اندماجات ألمانية وفرنسية واسبانية وبريطانية. لذلك من الممتع أن نتعرف على أن جسم ايرباص الطائر ما هو إلا نتاج العديد من المصانع الأوروبية التي تخصصت في صنع جزء أو آخر من أجزاء الطائرة.
ومع تقدم العلم استطاعت هذه الشركات العملاقة العبور بخدماتها الجوية إلى مناطق لم نكن نسمع عنها أو نظن بوجودها، ولكن لعبت الطائرة دورا في تقريب المسافات وأصبح الطيران المدني من أهم الاختراعات البشرية التي تساهم في تيسير الحياة وتسهيل المهمات الصعبة.
وبعد مرور أكثر من مئة عام على هذا الابتكار الخلاّق أصبح العالم يعيش حمى السفر والدوران حول العالم في فترة قياسية، ودخلت شركات صناعة الطائرات في منافسة شديدة بتقديم نفسها النموذج الأفضل. ولكن مع ما نشاهده ونسمعه بين حين وآخر عن سقوط طائرة هنا وأخرى هناك، نسترجع تلك الحوادث المؤلمة التي تركت انطباعا غير مشجع تجاه طائرات بعينها، واكتسبت مع الوقت سمعة سيئة تضع كل من يضطر إلى السفر عبرها إلى وضع يده على قلبه ويتنفس الصعداء بمجرد الهروب من سلم الطائرة.
ولقد سجل العامان 1996 و2002 أكبر عدد من حوادث الطيران بواقع تسعة حوادث لكل منهما، وراح ضحية هذه الحوادث آلاف الأشخاص، ودائما ما تتبرأ شركات الطيران من تهمة المساهمة في مثل هذه الحوادث بدفع سبب الخطأ التصنيعي، إلا أن طائرة بوينغ والتي تسمى «حاصدة الأرواح» هي الأكثر تسجيلا للحوادث، سواء خلال الهبوط أو حتى السقوط.
ومع اختلاف أسباب النكبات الجوية التي حدثت والتي سوف تحدث، إلا أن هناك أسبابا تخرج عن كونها فنية وتصنيعية أو نتيجة الظروف المناخية، فقد لعبت هذه الطائرات دور الضحية حين تم استهدافها من قبل المافيات والإرهابيين، وحتى من قبل بعض الذين هدفوا إلى تدويل مطالبهم وقضاياهم، وبينما يتعرض بعضها إلى الاختطاف يذهب البعض الآخر ضحية التفجيرات.
ولعل اغرب واهم هذه الحوادث والتي سيظل التاريخ يتذكرها ويتداولها هي تفجير برجي التجارة العالمي في ولاية نيويورك عام 2001 بطائرتي بوينغ تابعتين للخطوط الأميركية، أما الطائرة الأكثر شهرة وهي أيضا تابعة لشركة الخطوط الأميركية «بان اميركان» والتي راح ضحيتها 295 شخصاً كانوا على متنها، فقد اكتسبت شهرتها من خلال كسبها للقضية التي رفعت على مواطنين ليبيين اتهما بالتورط في انفجارها عام 1988، وهي تحلق فوق قرية لوكربي غرب بريطانيا، وتكبدت الجماهيرية الليبية عناء دفع تعويضات ضخمة بلغت قيمتها الإجمالية 7,2 مليار يورو.
الحقيقة التي ترافق عمليات البحث والتقصي وتمشيط مكان السقوط، هي غموض مصير الركاب وخاصة عند الأهل والأقارب الذين يعيشون لحظات قاسية بين مصدق ومكذب، واغلبهم يراودهم الأمل في العثور على أقاربهم وهم يغالبون واقعهم برغبة في التواصل مع الحياة، وساهمت السينما في تصوير وتوثيق بعض حوادث الطيران التي حدثت في التاريخ البشري وأعطت تفاصيل دقيقة عن اللحظات التي يعيشها الركاب، سواء من الهلع أو التمزق وما يأتي بعدها.
ولكن اغلبها تزرع الأمل في النفوس وأهمها ما حدث لموظف «فيديكس» في الفيلم الذي قام ببطولته «توم هانكس» والذي عاش في جزيرة نائية لمدة أربع سنوات بعد سقوط طائرته في المحيط، واستطاع أن يهزم شظف الحياة بمقاومة عوامل الانهزام ليعود لحياته السابقة، وقد حمل الكثير من هذه التجربة الفريدة في تاريخ الإنسان المتحضر، وكما يقول المثل «اعطني عمرا وارمني في البحر».
كاتبة اماراتية