العديد من المحللين المختصين بشؤون الشرق الأوسط، يعتقدون أن إسرائيل فى ظل الحكومة اليمينية التي تحكمها يمكن أن تقدم على عملية عسكرية نوعية ضد إيران من اجل التصدي وإجهاض مشروعها النووي. ويستند هؤلاء إلى العديد من المبررات يأتي في مقدمتها أن إسرائيل تعتقد أن العلاقات الأميركية الإيرانية تسير نحو التهدئة وبالتالي فإن إمكانية أن تنفذ الولايات المتحدة عملية عسكرية ضدها تشبه تلك التي نفذتها ضد العراق سوف تكون مستحيلة.

وفي رأي هؤلاء المحللين فان الضربة العسكرية التي يمكن أن توجهها إسرائيل لإيران يمكن أن تحقق لها عدة أهداف أولها إجهاض المحاولات الأميركية لتحسين العلاقات مع إيران عبر فتح حوار مباشر معها، ففي حال الضربة فإن إيران لن تستطيع أن تقنع نفسها أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم عنها شيئا، وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة لن تدين الضربة بصورة صريحة تصل إلى حد استصدار قرار في مجلس الأمن يدين إسرائيل، وهو ما يؤدي إلى إجهاض المحاولات الأميركية تماما ويعود بالعلاقات الأميركية الإيرانية إلى المربع رقم واحد مرة أخرى، وهذا الأمر تسعى إسرائيل إلى تحقيقه.

أما ثاني الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها عبر هذه الضربة العسكرية، فهي إجهاض المحاولات التي تبذلها الإدارة الأميركية حاليا من اجل تسوية الصراع العربي الاسرائيلي، والتي أدت إلى ممارسة ضغوط عليها من اجل وقف الاستيطان.

فالإدارة الأميركية الحالية أعلنت أكثر من مرة أنها تسعى إلى هذة التسوية من خلال حل الدولتين. وبالطبع فان الحكومة الإسرائيلية اليمينية لا تريد وقف الاستيطان لان هذا الأمر يؤثر على شعبيتها لدى قطاعات إسرائيلية متعددة، كذلك فإن نفس الحكومة تتبنى سياسة كسب الوقت بشأن عملية السلام، فهي لا تريد أن تمضي قدما فيه، وفي نفس الوقت لا تريد أن تبدو في موقف الرافض للعملية بمجملها، ومثل هذة العملية العسكرية يمكن أن تحدث فوضى في منطقة الشرق الأوسط تؤدي إلى وضع عملية السلام في موضع متأخر بين أولويات المنطقة في الوقت الراهن.

ولاشك أن زعماء الحكومة الإسرائيلية يدركون أن مواقفهم السياسية وخلفيتهم الإيديولوجية، سوف تؤدي إلى عزلة إسرائيل، والذي يمكن أن يزيد من هذه العزلة هو أن يحدث توافق بين الولايات المتحدة وإيران على بعض قضايا الشرق الأوسط وهذا أمر يمكن توقعه فى حال وصل إلى رئاسة إيران احد المرشحين المعتدلين.

من هنا فإن إسرائيل تريد أن يستمر الرئيس الايراني الحالي أحمدي نجاد في منصبه والضربة العسكرية يمكن أن تساعد على هذا الأمر لأنها سوف تجعل الناخب الايراني يختار مرشحا متشددا معاديا للغرب وإسرائيل، وهو ما يصب في النهاية لصالح الأخيرة، من هنا فان نفس المحللين يرون أن، إسرائيل يمكن أن تقدم على مثل هذة الضربة من اجل الحفاظ على التوازنات الحالية فى منطقة الشرق الأوسط، لان التفاعلات الحالية تنذر بتغيرها في غير مصلحة إسرائيل.

والحاصل أن علاقات الولايات المتحدة وإسرائيل هي في الوقت الراهن على وشك أزمة، قد تكون مثل هذه الضربة العسكرية سببا في أن تمنعها وقد تكون سببا فى أن تعجل بها، ولعل ذلك هو الذي تبحثه حاليا مؤسسة صنع القرار في إسرائيل، وهو الأمر الذي يتوقف عليه ما إذا نفذت إسرائيل توقعات المراقبين بشن الضربة العسكرية أم تراجعها عنها تماما أم تأجيلها لفترة من الوقت.

إن منطقة الشرق الأوسط تمر حاليا بمنعطف خطير، وإسرائيل تدرك ذلك جيدا، وهي لهذا السبب تسعى إلى إبقاء الوضع على ماهو عليه في المرحلة الحالية حتى تأتي مستجدات يمكن أن تجعل من موقفها السياسي أفضل، وأحد آليات إبقاء الوضع على ماهو عليه قد تكون هذه الضربة العسكرية التي من الممكن أن تنهي خطر البرنامج النووي الايراني، لكنها في نفس الوقت تزيد من حالة العداء لإسرائيل لدى شعوب المنطقة.

وبالطبع فإن مثل هذة الضربة كان يمكن لإسرائيل أن تنفذها في ظل الإدارة الأميركية الجمهورية السابقة بدون الآثار الجانبية التي يمكن أن تحدث على صعيد العلاقات الأميركية الإسرائيلية فى حال تنفيذها مع الإدارة الحالية، وهو ما يعني أن إسرائيل عليها أن تفتح حوارا مع إدارة اوباما من اجل تنفيذ الضربة، التي ستكون بالنسبة للإدارة ذات صلة بالعديد من الملفات الشرق أوسطية وأيضا الأوروبية، بما يعني أن فرص تنفيذها تعتبر في حدودها الدنيا، وتتطلب حوارا مطولا وواسعا بين الجانبين وتتطلب أيضا ارتكاب إيران للعديد من الأخطاء السياسة خاصة بالقضايا التي ذات تماس مع المصالح الأميركية فى المنطقة، وبالطبع فان النظام الايراني ليس من السذاجة لارتكاب هذه الأخطاء.

وبالتالي فان الرهان الذي يمكن أن تراهن عليه إسرائيل هو أن تسعى عبر جماعات الضغط التابعة إليها في الولايات المتحدة إلى أن تجعل من البرنامج النووي الايراني نقطة أساسية في كافة الحوارات المباشرة وغير المباشرة التي ستتم بين كل من الولايات المتحدة وإيران، وهي بالطبع قادرة على ذلك، فالحاصل هو أن تنفيذها لضربة عسكرية منفردة ضد إيران من دون موافقة ودعم اميركي لها ستكون سلبياته عليها أكثر من إيجابياته.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com