من أكثر مبادرات الرئيس الأمريكي باراك أوباما إثارة للجدل والدهشة مبادرته الشهيرة حول تقليص السلاح النووي في العالم، والتي طرحها بداية مع روسيا، وهي الآن محل دراسة وبحث من الطرفين، وغرابة هذه المبادرة أنها تأتي في الوقت الذي تسعى فيه دول أخرى جديدة لامتلاك السلاح النووي، كما تأتي في الوقت الذي أصبحت فيه إمكانية امتلاك جماعات أخرى إرهابية للسلاح النووي قائمة وواردة، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا سيكون هو «هل توافق الدول الكبيرة على التخلي عن سلاحها النووي، وتترك هذا السلاح لجهات أخرى لا تقدر مدى خطورته ولا تعير للسلام والأمن الدوليين أي اهتمام؟، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أيضا هو: ما السبب وراء مبادرة الولايات المتحدة لتخفيض ترسانتها وترسانة روسيا من الأسلحة النووية؟».
روسيا من جانبها وافقت على تلبية دعوة الولايات المتحدة الأمريكية للتباحث في ملف الأسلحة الإستراتيجية النووية، ولكن التباحث لا يعني بالضرورة الموافقة على التقليص، خاصة وأن عامل الثقة مازال غير متوافر بين موسكو وواشنطن، وإذا سميت الأمور بمسمياتها فإن الكثيرين من الروس يعتقدون أن واشنطن تريد ألا تملك روسيا من الرؤوس النووية ما يقدر على اختراق منظومة المستقبل الدفاعية الصاروخية الأميركية، حيث أن هذه المنظومة مهما بلغت قوتها ومدى دقتها فإنها لن تكون قادرة على صد عدد كبير من الصواريخ. ومن المتوقع أن تنصب الولايات المتحدة صواريخها الاعتراضية في غالبية المناطق المتاخمة للأراضي الروسية قبل عام 2025.
ربما تكون هذه هي وجهة النظر المتشائمة، وهي لا تمنع من وجود وجهة نظر أخرى متفائلة بعض الشيء مفادها أن الولايات المتحدة لا تنوي استخدام الأسلحة النووية في أية حرب لأن هذه الأسلحة تتسبب في التلوث الإشعاعي في أراضٍ تطمح الولايات المتحدة للسيطرة عليها. ولهذا تسعى الولايات المتحدة إلى تجريد الدول الأخرى وخاصة روسيا والصين من الأسلحة النووية حتى تزول العقبة النووية التي تمنع تنفيذ مخططاتها.
على أية حال فإن القادة العسكريين والسياسيين في روسيا مجمعون على أنه لا يجوز عقد اتفاق جديد مع الولايات المتحدة لمواصلة تخفيض الأسلحة النووية بأي ثمن وبدون مقابل جيد يستحق التضحية، فمصلحة روسيا العليا في التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين على نحو سواء. ولا ينبغي لهذا الاتفاق أيا كان أن يفقد روسيا القدرة تماما على العودة لامتلاك السلاح النووي في حال إخلال الولايات المتحدة بالاتفاق.
روسيا لديها خبرة قديمة متراكمة حول قضايا تقليص الأسلحة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وعليها أن تستفيد من هذه الخبرة التي طرحت تجارب ناجحة في التقليص لم تقلل من القوة الرادعة لكلا الطرفين، وتنص إحدى اتفاقيات نزع السلاح التي وقعتها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في بداية تسعينات القرن الماضي، على قيام روسيا بسحب ثلاث غواصات من نوع «تايفون» أو «القرش» (سمك القرش) بحسب مصطلحات حلف شمال الأطلسي، من الخدمة. وتم نزع المفاعلات النووية من هذه الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية.
و كانت روسيا قد صنعت ست غواصات من هذا النوع في الفترة من 1977 إلى 1989.
ومازال لديها الآن ثلاث منها في الخدمة ضمن القوات البحرية الروسية. وتعتبر غواصة القرش من أكبر الغواصات الموجودة في العالم. وتستطيع هذه الغواصة محو نصف الولايات المتحدة أو أوروبا كلها عن وجه الأرض في حال إطلاق جميع صواريخها. وتقدر غواصة تايفون على حمل 20 صاروخا من طراز «ر-39». ويبلغ مدى هذا الصاروخ 8300 كيلومتر. وتستطيع البقاء في البحر لمدة 180 يوما متواصلة. وتشكل هذه الغواصة وحدها قوة ردع روسية كبيرة، ولهذا يجب الحفاظ عليها وعدم إخضاعها لأي تقليص، خاصة وأنه ليس لدى الولايات المتحدة قوة مكافئة لهذه الغواصات الثلاث.
كاتب روسي