تجري الانتخابات الأوروبية مرّة كل خمس سنوات. وهذا ما يذكّر الأوروبيين أنهم ينتمون إلى مجال سياسي واسع يساهم إلى حد كبير في صياغة نمط حياتهم اليومي. لكن يبدو أنه لا يتم اتخاذ أية قرارات مهمّة بين كل دورتين انتخابيتين. إن الأحزاب السياسية الكبرى هي التي تعبّر عن التباين في اللهجة حيال المطلوب من أوروبا؛ وهذا ما يجسّده في فرنسا الحزب الاشتراكي وحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية «الحاكم».
من الواضح كذلك أن هناك عدم اهتمام حقيقي بالانتخابات الأوروبية، وهو أكبر مما يقال عنه عادة. ثمّ إن المشاركة في العملية الانتخابية يتدنّى مستواها باستمرار منذ ثلاثين سنة، أي منذ بداية إجراء الانتخابات لاختيار نوّاب البرلمان الأوروبي. ويعود تناقص نسبة المقترعين بشكل خاص إلى أن الحكومات الأوروبية لم تتوقف عن الحديث عن أوروبا من أجل تبرير سياساتها الاقتصادية. وشيئاً فشيئاً بدت المفوضية الأوروبية في بروكسل والبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في المخيلة الجماعية للأوروبيين كمركزين لاتخاذ قرارات معزولة عن الإرادة الأوروبية الشعبية التي لا تملك فعل أي شيء ضدها في الواقع.
أوروبا الرسمية هذه المعزولة عن الإرادة الأوروبية الشعبية، ممثّلة بالاتحاد الأوروبي، ليست هي، بما هي عليه، المسؤولة عن ضعف الخدمات العامّة وتضاؤل البعد الاجتماعي في المشروع الأوروبي.
لكن السياسات الليبرالية الجديدة التي وضعتها الأحزاب السياسية المعروفة هي في أصل ما وصل إليه المسار الأوروبي اليوم. ثم إن استخدام أوروبا من أجل تبرير السياسات المتّبعة يساهم في زيادة الحذر حيالها وتستفيد منه الأحزاب كي تتبرأ من مسؤوليتها أمام ناخبيها.
وهناك سبب آخر يسمح بفهم مناخ اللامبالاة والعداء الكامنين حيال الاتحاد الأوروبي. ويتمثّل هذا السبب في السياسة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية ـ اليسارية المعتدلة ـ وتخلّيها عن أي مشروع للتحوّل الاجتماعي. إن هذا التيار انضوى واقعياً تحت لواء الليبرالية الجديدة السائدة. هكذا تحوّلت أوروبا تدريجياً إلى هدف يكتفي بذاته وكأن أوروبا تمتلك بطبيعتها فضائل اجتماعية تقدّمية؛ وهذه مقولة خاطئة بوضوح.
هكذا أيضاً أصبح الاتحاد الأوروبي شيئاً فشيئاً مجالاً للخلط الإيديولوجي بعد أن تلقت فيه المكتسبات الاجتماعية أقسى الضربات. ومع فقدان أوروبا لسمات إي مشروع سياسي غدت المكان الذي تختفي فيه الفروق بين اليمين واليسار. وغياب التمييز السياسي يولّد التشوّيش ويتضمّن خطراً قاتلاً بالنسبة للديمقراطية التي هي بحاجة دائمة للنقاش والمواجهة بين مشاريع متنوّعة ومتناقضة كي تعيش وتعمل.
هكذا لم يكن دعم الليبراليين اليمينيين والاشتراكيين ـ الديمقراطيين اليساريين لاتفاقية مستريخت وبعدها للاتفاقية الدستورية الأوروبية بعيداً عن ذلك الخلط السياسي. مع ذلك أبدى مثلاً المواطنون في فرنسا بمناسبة عمليتي الاستفتاء على هاتين الاتفاقيتين اهتماماً كبيراً بالاتحاد الأوروبي، ذلك أن الرهانات كانت مطروحة بشكل واضح وكانت موضوعاً لنقاشات حامية تعلّقت بالرهانات الحقيقية للبناء الأوروبي.
وبدا ذلك الاهتمام جلياً من خلال نسبة المشاركة الكبيرة للناخبين في الاقتراع على تلك الاتفاقيتين عام 1992 وعام 2005. لكن عندما يكون المطلوب هو التحكيم بين اليمين الليبرالي والاشتراكيين ـ الديمقراطيين في أوروبا ودون أي رهان حقيقي فإن نسبة المشاركة في الاقتراع تتدنّى بشكل واضح.
بالنتيجة غدت التعبئة من أجل أوروبا أخرى ضرورية أكثر من أي وقت مضى. والتطلعات إلى أوروبا ديمقراطية واجتماعية وداعية لحماية البيئة كتلك التي جرت النقاشات حولها عند الاقتراع على الاتفاقيتين المذكورتين لا تزال تطلعات راهنة، خاصة مع تفجّر الأزمة المالية الاجتماعية والاقتصادية.
في مثل هذا السياق وأمام عمق التحديات المطروحة لا بدّ من إدانة القوى السياسية اليمينية واليمينية المتطرفة الأوروبية التي تستخدم مرّة جديدة مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من أجل مصالح انتخابية وتجنب الخوض في المسائل الجوهرية. هكذا يعارض نيكولا ساركوزي وأنجيلا ميركل بشدة منظور الانضمام الكامل لتركيا إلى الاتحاد الأوروبي ويدعوان إلى شراكة متميزة معها كحلّ بديل، دون معرفة ماذا تعني هذه الشراكة بشكل دقيق.
وعملية تجديد البرلمان الأوروبي لخمس سنوات قادمة لا علاقة لها على الإطلاق مع مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وبالتالي يشكل إقحامها فيها مناورة سياسية بائسة. هكذا يغدو التلويح بالملف التركي للتخويف ليس خطأً سياسياً فحسب ولكنه يعبّر أيضاً عن سوء طوّية عميق. لكن لحسن الحظ لا تزال أغلبية دول الاتحاد الأوروبي تؤيد حتى الآن منظور انضمام تركيا إلى البناء الأوروبي الموحّد.
لقد حان وقت توجيه البناء الأوروبي في سبيل آخر. ذلك أنه لا يأخذ اليوم للأسف مثل هذا السبيل ويُخشى أن تؤدي هذه الانتخابات الأوروبية إلى تعزيز وتعميق الصعوبة أمام الاتحاد الأوروبي وتمنعه من أن يرتفع أخيراً إلى مستوى مسؤولياته في عالم «معولم» ومن أن يصبح قطباً دولياً مؤثّراً ويحظى باحترام الآخرين.
كاتب فرنسي
