تراود الاتحاد الأوروبي فكرة تدشين مكتب لتوني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الدولية إلى الشرق الأوسط في قطاع غزة. والهدف هو تأكيد الحضور الدولي في قطاع غزة وإظهار الاهتمام باعماره على «ضوء الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي».
يعتقد الأوروبيون أن مداومة بلير هناك سوف تسهل إقناع الإسرائيليين بإدخال المواد الضرورية للبناء، وأن المكتب المزمع سيشعر سكان القطاع بأن العالم الخارجي لم ينسهم ولا يتجاهل أوضاعهم المتردية. غريب أمر هؤلاء الأوروبيين وأكثر منه غرابة واستفزازاً حكاية الرباعية الدولية التي يتشاركون فيها مع الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة.
فالأوروبيون يقفون على جبل من الحقائق التفصيلية حول رواية الصراع والتسوية في فلسطين وجوارها. كيف لا، وهم الذين أسسوا لهذه الرواية منذ ما قبل خرائط سايكس بيكو(1916) وتصريح بلفور (1917) واحتلال فلسطين (1918)، فتقسيمها وتسليم أكثرها للحركة الصهيونية (1947و1948).
ثم إنهم ساهموا أكثر من غيرهم في أغراء القيادة الفلسطينية بعملية أوسلو ومول نتائجها اقتصاديا، ثم راح يشتكي من استبعاد واشنطن لدوره السياسي في إتمام هذه العملية حتى منتهاها.. فكان الرد الأميركي هو المبادرة بتكوين الرباعية بدعوى الاستجابة لرغبة الأوروبيين والعرب بتوسيع مداخلات الوسطاء على خطوط التسوية.
وجه الغرابة في إطار هذا الموجز والكثير من المعطيات التاريخية السياسية التابعة، أن الأوروبيين يرون في إقامة بلير في غزة وسيلة للتواصل مع إسرائيل والتمني عليها للسماح باستقبال مواد إعادة بناء ما دمرته قبل شهور!. فهل هذا هو غاية المراد الأوروبي من وظيفة بلير والرباعية؟. كيف هانت على الأوروبيين أنفسهم ومقاماتهم ومقام الرباعية الدولية الرفيع إلى درك التطلع لافتتاح مكتب لمبعوثهم ومبعوثها في غزة، لمجرد تسهيل وصول بعض الشاحنات ؟!
لماذا لا يكون هدف المكتب هو العكوف الدائم والصارم علي عملية التسوية، وفقاً لسقف زمني معين وللمرجعيات الشهيرة من قرارات الأمم المتحدة إلى مؤتمر أنابوليس وما بينهما ؟
أما غرابة حال الرباعية فيتأتي من عدم التوازن بين قوة أطرافها الجبارة في مصفوفة العلاقات الدولية، وبين الوهن الشديد في أدائها لدورها.. الرباعية بتحركها البطيء وروحها غير المبادرة ولقاءاتها الموسمية المتقطعة، لم تقدم أو تؤخر في السيطرة الأميركية علي ملف التسوية.
وهي لكي تثبت وجودها وهيبتها وتبرر وجودها فإنها لا تحتاج إلى مكتب في غزة، لأنها إن أرادت ورغبت تستطيع أن تفعل ما تريد حتى وإن سكنت المريخ.