لا يمكن أن يأتي التطور من ضربة عصا سحرية. ولا تتغير سياسات الدول من مجرد كلمة تفوه بها أحد مسؤوليها. إنها مسألة بناء تشبه إلى حد كبير عملية البناء لدى النباتات. الذين فرحوا للكلمة التي ألقاها أوباما، نعذرهم. فقد جاء هذا الرجل بعد ما عانى المسلمون (بل والعالم بأجمعه) الأمرين من سياسة جورج بوش على مدى 8 سنوات عجاف من الحكم.أما الذين سخروا من تلك الكلمة، فهم أيضا لديهم مبرراتهم. فجميع الرؤساء السابقين وربما اللاحقين وعدوا وسيعدون المنطقة بالعديد من الحلول العادلة ولكنهم في النهاية رضخوا وسيرضخون لتعليمات اللوبي الصهيوني المنتشر في كل مكان في العالم.
لكننا شعوب تعودت على عدم فهم آلية التفاؤل. ولنا أيضا عذرنا. فمنذ سقوط الأندلس لم تقم للمسلمين قائمة، رغم أنهم من أكبر شعوب العالم عددا ومساحة، وتجمعهم لغة واحدة ودين واحد وعادات متشابهة. ومنذ سقوط الدولة العثمانية وبعدها الاستعمار الأوروبي ومن ثم خروج الاستعمار إما بالطرق السلمية أو الجبرية، لم يستطع المسلمون استعادة أمجادهم السابقة، وظلوا دولا متفرقة متنازعة فيما بينها متحاربة متقاتلة ولم يستمر توحدهم لأكثر من عام أو عامين في أحسن الحالات اللهم إلا في منطقة الخليج وبالتحديد في دولة الإمارات التي نعيش عليها.
إضافة إلى انعدام طرق الحكم الحديثة التي تسمى انتخاب الرئيس والبرلمان وتعدد الأحزاب وغيرها من الأمور التي إن وجدت سوف تمنح المسلم إحساسه بالتفاؤل. فكل الأمور تحدث خارجا عنه ورغما عنه وتفرض عليه الهزائم بعد الهزائم على أنها انتصارات ويجبر على الاعتراف بأنها كانت انتصارات تاريخية. هذا وغيره رسخ لدى الشعوب المسلمة إحساسا بـ(القرف) من السياسة وأنها لم ولا ولن تحل قضاياهم ابتداء من الحصول على وظيفة محترمة إلى توحيد الصفوف بين الدول المسلمة.
ويئس المسلمون ـ أمام نفوذ اليهود في العالم ـ من الحصول على جزيء بسيط من مجمل الحقوق المضيعة للفلسطينيين. ولو لاحظنا جيدا فإننا لا نجد لدى المسلمين أي مطالبات أخرى من الحكومات الغربية والشرقية غير رد حقوق الفلسطينيين حتى بدون تعويضات، كما هو الحال عادة للشعوب الأخرى. وظل العالم الإسلامي بأكمله مشغولا منذ أكثر من ستين سنة بالبحث عن حل للتراجيديا الفلسطينية إلى درجة أنه نسي المطالبة حتى بأبسط أمور حياته الداخلية، ودفع مبالغ خيالية في شراء السلاح والتسلح وعقد المؤتمرات وطباعة الشعارات والمفاوضات (على الفاضي) بل وجد نفسه بين ليلة وضحاها قد تورط في حرب شعواء مع مسلم آخر تحت شعار تحرير القدس، ولكن ظلت المأساة تزداد سوءا يوما بعد يوم، وتتناقص فرص السلام يوما بعد يوم، وتؤكل أرض فلسطين شبرا بعد شبر في كل يوم، وهم غير قادرين على شيء.
لذا لا نستغرب بعض الأصوات المتشائمة من زيارة الرئيس أوباما ومن كلمته. والحقيقة أن المشكلة تكمن ليس في سياسات رؤساء الولايات المتحدة ولا في خطبهم التي (تضحك على أذقاننا) ولا حتى في اللوبي الصهيوني المتمرس وإنما في الإحساس (بالتشاؤم والسلبية) التي سيطرت على عقول وأذهان الشعوب المسلمة. الحل؟ فلنقل مرة بأن وصول أوباما رغم كل التحليلات التي تعطي نتائج سلبية على فترة حكمه، لنقل بأنه خطوة للإمام حتى ولو على سبيل مغالطة النفس أو على سبيل الدعابة. هذا الرجل بدأ بنشر بعض المبادئ الإنسانية في خطاباته. هذا الرجل أيضا بدأ يتحدث عن الروابط والقواسم المشتركة التي تربط بين الديانات الثلاث وعلى رأسها الإسلام والمسيحية، وكرر هذا القول عدة مرات في أكثر من مناسبة.
هذا الرجل وضع على أجندته زيارة الدول المسلمة بدءا من تركيا والسعودية ومصر. ولأول مرة ينصت العالم لخطابه الذي كتبه بالبنط العريض للتأكيد على العلاقات الحسنة مع العالم الإسلامي. أيا كانت نواياه وخططه واستراتيجياته ودفاعه عن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة بعد أن تعرضت للاهتزاز والتراجع بعد وحل العراق، فإننا نستطيع من خلال هذا الثقب الصغير أن نفتح فوهة، ومن الفوهة نفتح بابا كبيرا ونبني جسرا طويلا.
ولكن ذلك لن يحدث ما دام اللون الأسود هو القابع على أبصارنا. قرأت في إحدى الصحف حوارا مع رياضي ماراثون. وأذكر أنه فاز بالمرتبة الأولى عدة مرات وعلق على سر تكرار فوزه بأنه يعود أساسا إلى تركيز ذهنه قبل إطلاق الصافرة على كلمة (سوف أفوز) أما التدريبات الجسدية فتأتي في المرتبة الأخيرة!
ونحن علينا أن نفتح أعيننا كل صباح على جملة (سوف نحقق مطالبنا).ولنتفاءل أولا بكل دعوة للتقارب تأتينا من الآخر الذي فقدنا الثقة فيه ليس بسببه بل بسبب سوء تصرفاتنا وتقصيرنا.
ثانيا، العمل على متابعة هذا التقارب ودعمه وتأكيده وترسيخه وألا يصبح بعد انتهاء المبادرة مجرد حلم ليلة صيف أو يذهب المسلمون في اليوم التالي للاقتتال فيما بينهم على قضية هم غير مختلفين عليها، وتذهب آمالنا مع الريح.
علينا أن نسترد ثقة الآخرين فينا قبل أن نسترد ثقتنا في الآخرين.
جامعة الإمارات
