تجرى الانتخابات اللبنانية، وقد وصفها زعيم أحد التيارات السياسة الكبيرة بأنها انتخابات مصيرية، بمعنى أنها ليست إجراء دورياً هدفه اختيار النواب ومن ثم الحكومة فقط، وإنما ستكون ذات تأثير كبير على رسم ملامح (الدولة اللبنانية) المقبلة وليس الحكومة فقط، وستبنى على نتائجها استراتيجيات وسياسيات ذات تأثيرات بنيوية على مسيرة لبنان القادمة.
يستقطب القوى السياسية اللبنانية في هذه الانتخابات تجمعان رئيسيان أولهما: فريق (14 مارس) وهو فريق الأغلبية النيابية اللبنانية الحالية، ويقوده تيار المستقبل الذي يضم غالبية نواب السنة وقوى مسيحية (الكتائب والقوات اللبنانية) إضافة إلى تيار اللقاء الديمقراطي بقيادة وليد جنبلاط.
وثانيهما فريق (8 مارس)، وهو تيار الأقلية النيابية، ويضم حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر (المسيحي العوني)، ويمكن الزعم أنها المرة الأولى في لبنان منذ الاستقلال التي تُستقطب فيها القوى السياسية الأساسية في تيارين فقط على الطريقة الأميركية أو البريطانية، كما أنها المرة الأولى أيضاً التي تتبنى فيها أحزاب أو تجمعات سياسية برامج انتخابية ذات علاقة بهيكلية الدولة وسياساتها ودور لبنان الإقليمي وعلاقاته العربية والدولية.
يقول فريق (14 مارس) إنه إذا فاز بالأغلبية فسيدعم الدولة، ويعهد إليها بتحقيق أمن وأمان اللبنانيين، ويدخل المقاومة جزءاً من الخطة الدفاعية الشاملة، ويستمر بالمطالبة بحدود ندية مع سوريا وترسيم الحدود معها، وتأكيد لبنانية مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل، ويعمل على دعم المحكمة الدولية المكلفة بمحاكمة مغتالي رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وإقامة علاقات طبيعية (ليست مميزة) مع إيران، وتقوية علاقات لبنان مع الدول العربية وخاصة مصر والسعودية.
وفي الداخل سيتابع تنفيذ الخطط الاقتصادية وخاصة مقررات مؤتمرات باريس المتعلقة بلبنان، ومعالجة مشكلة الديون التي تجاوز حجمها خمسين مليار دولار، وتوسيع دور رئيس الجمهورية وصلاحياته.
وفي الوقت نفسه يتهم هذا الفريق الآخر بأنه إذا ما فاز فسوف يلقي بلبنان في أحضان إيران وسوريا، ويعرقل أعمال المحكمة الدولية، ويوكل قرار الحرب والسلم لحزب الله الذي ستكون بيده زعامة الأكثرية النيابية إضافة إلى امتلاكه السلاح، ويضعف الجيش لحساب المقاومة، وسيصبح لبنان (ورقة بيد إيران) تساوم عليها أميركا وإسرائيل، وجبهة متقدمة لها تأتمر بأمرها.
فضلاً عن اتهامه الفريق الآخر بأنه سيقلص صلاحيات رئيس الجمهورية، ويقصر مدة رئاسته، لينتخب بديلاً عنه الجنرال ميشيل عون، مقابل صفقة تضمن قبوله بتعديل الدستور واقتصار نصيب المسيحيين على ثلث المناصب السياسية والرسمية (المثالثة) وليس نصفها كما هو الحال الآن.
من طرف آخر ينفي فريق (8 مارس) هذه الاتهامات نفياً مطلقاً ويسخر منها، ويقول إنه إذا فاز بالانتخابات فسوف يعطي المقاومة دعماً كبيراً جداً وسوف ينسق مع الجيش، ويبعد محاولات الهيمنة الإسرائيلية، ويخلص لبنان من الهيمنة الأميركية والأوروبية التي خضع لها فريق (14 مارس) طوال السنوات الأربع الماضية، ويقوي العلاقات بالمقابل مع سوريا (الجار الذي لا غنى عنه) ومع إيران المستعدة لتسليح الجيش اللبناني.
ويفتح ملفات الفساد، ويعيد النظر بالسياسة الاقتصادية اللبنانية وغيرها من السياسات، ويرى في المقابل أن فوز فريق (14 مارس) يعني استمرار الخضوع للغرب، والتواطؤ معه، واستمرار العداء لسوريا وإيران بدون مبرر، والعمل على إلغاء المقاومة، والتهاون مع إسرائيل.
ونظراً للتباين الكبير بين البرنامجين اعتُبرت هذه الانتخابات مفصلية ومصيرية، ولاشك أنها تختلف عن أية انتخابات لبنانية سابقة ولم تعد برامجها (فولكلوراً) انتخابياً كما كانت برامج الانتخابات اللبنانية منذ الاستقلال.
تجري الانتخابات اللبنانية في إطار (ديمقراطية) لا مثيل لها في العالم، فهي ديمقراطية تضبطها محاصصة طائفية، حيث نصف عدد المقاعد مخصص للمسيحيين وموزع بنسب معينة بين (الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والأرمن والبروتستانت)، والنصف الآخر مخصص للمسلمين (وموزع بين السنة والشيعة والدروز والعلويين).
ثم ان لبنان كله مقسم في الوقت نفسه إلى دوائر انتخابية (حسب الأقضية) فالقضاء دائرة انتخابية، ولكل دائرة عدد من النواب موزع أيضاً على المذاهب والطوائف، والناخبون هم جميع المسجلين في سجلات القضاء من مختلف الطوائف، أما النواب فموزعون حسب طوائفهم، وعلى ذلك قد يفوز نائب في قضاء بأصوات أقل من ربع الأصوات التي حصل عليها نائب آخر لم يفز لأنه من طائفة أخرى، والمنافسة داخل الدائرة الواحدة هي بين المرشحين من الطائفة نفسها، وليس بينهم وبين المرشحين من طوائف أخرى، وتتلاشى المساواة وتكافؤ الفرص هنا أمام غول الطائفية.
كان لبنان منذ استقلاله ومازال، محط صراعات إقليمية ودولية، فقد كان في الأربعينات موضوع صراع بين الانتماء العربي وبين الانتماء الفرنسي، وفي مطلع الخمسينات بين حركة التحرر العربية وبين الاستعمار القديم (حلف بغداد).
ثم الهيمنة الأميركية (نزول المارينز في بيروت عام 1958) وفي نهاية الستينات والسبعينات بين القوى المؤيدة للمقاومة الفلسطينية وبين المعادية لها، وفي الثمانينات بين سوريا وبين النفوذ الأميركي الإسرائيلي، ثم دخلت إيران في معمعة الصراع على لبنان.
وهكذا كان لبنان ومازال ساحة لصراع الآخرين الإقليمي والدولي على أرضه، وقد دفع الشعب اللبناني ثمناً غالياً جراء هذا الصراع (الحرب الأهلية عام 1958، والحرب الأهلية الأخرى عام 1975 وعدم الاستقرار الحالي) والصراعات الداخلية (المسلحة) بين مذاهبه وطوائفه التي مازالت تتحفز لرفع رأسها عندما يتحقق الظرف المناسب.
فهل ستحقق هذه الانتخابات اختبار أكثرية نيابية تكون قادرة على إقرار قانون انتخاب جديد، يخلص لبنان من الطائفية السياسية كلياً أو جزئياً، ويبعد عنه صراع الآخرين؟ أم أنها ستكون كغيرها، تكرس الإقطاع السياسي والطائفية السياسية ويبقى الشعب اللبناني ممزقاً بين مرجعيتي المواطنة والطائفية؟.
كاتب سوري
