الوقائع المنسوبة إلى دعوى مذبحة الأرمن بأوامر من قادة عهد الاتحاد والترقي الأتراك، تعود إلى ما قبل نكبة فلسطين ومسلسل المذابح الصهيونية بحق الفلسطينيين بأربعة عقود.
على مدار هذه الفترة، لم تفتر همة جماعات أرمينية تنتشر في شتى الأنحاء لا سيما في عالم الغرب على جانبي الأطلسي، إزاء الدفع بصحة وقوع المذبحة كحدث تاريخي والإصرار على الاعتراف التركي به، بكل ما يترتب على ذلك من اعتذارات وإدانات وربما تعويضات.
وفي الوقت ذاته فان ورثة عهد الاتحاديين في تركيا منذ أتاتورك إلى يومنا هذا، لم يدعوا فرصة إلا نفوا فيها «الزعم الأرميني» مع وصمه بعمليات التشهير والابتزاز.
لا يعنينا هنا إصدار حكم لصالح هذا الطرف أو ذاك.. لكن ما يسترعي انتباهنا هو قدرة الجانب الأرميني على إثارة جدل المذبحة، وتمكنه من اكتساب محازبين كثر للرواية الأرمينية لدى عواصم الغرب وقطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي والأميركي.
وتكاد هذه القضية أن تكون بنداً ثابتاً على أجنده المفاوضات التركية مع الأوروبيين؛ الذين يتابعون أسلوب تعاطي أنقرة معها ويتخذون منه سبباً- ضمن أسباب أخرى بالطبع- للتمنع في وجه المطلب التركي بعضوية اتحادهم. كذلك يهتم رعاة الدعوى الأرمينية بإثارتها في أية مناسبة يستطلعون قدرتهم فيها على لفت الانتباه وجذب مزيد من الأنصار والمؤيدين.
ومن طقوسهم، رفع اللافتات والاصطفاف بها على أبواب المؤسسات التي تستقبل زواراً أتراكاً كباراً. ومن النادر أن يهبط مسؤول تركي بارز في عاصمة ذات شأن، بدون أن يستقبله ناشطون أرمن بما يذكره بدعواهم. للإنصاف، أفلح هؤلاء الناشطون في إبقاء قضيتهم حية فوارة بغض النظر عن التناظر العميق حول صحتها.
وهذه حقيقة لا يوازيها ولا يرقى إليها مستوى حضور حديث الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.. الأكثر مدعاة للحيرة أن المسألة الأرمينية تنتمي للماضي بأكثر من الحاضر والمستقبل.
ولا يعد الجدل بشأنها حتى وإن حسم مرتبطاً بأحوال السلم والأمن إقليمياً أو دولياً. كما انه لا يتصل وثيقاً بمصالح أو مصائر شرائح وازنة..
وذلك على خلاف حال المحرقة الفلسطينية ومآلها.يتمتع الفلسطينيون بروح كفاحية تضحوية عالية، وقضيتهم لا تعاني قلة فيمن يهتمون بها ويرتبطون بمصيرها، وعدالتها بينة كشمس الظهيرة، ومع ذلك فإن المرء يستشعر عزوفاً عالمياً عن رفع الظلامة عنهم أو محاسبة المجرمين بحقهم، ترى أين كلمة السر في هذا الفتور أو العجز؟!
كاتب وأكاديمي فلسطيني