يتصاعد الحديث من قبل بعض السياسيين الفلسطينيين والعرب عن ضرورة اغتنام الفرصة التي توفرها المواقف الأميركية التي تكرر إدارة الرئيس أوباما إعلانها، بشأن سلام الشرق الأوسط.
ويحلو للبعض أحياناً أن يتحدث عن تحول في السياسة الأميركية لصالح الفلسطينيين والعرب، ويكاد بعضهم ينظم قصائد غزل في الرئيس المنقذ الذي اكتشف دون غيره من رؤساء الولايات المتحدة، الحاجة إلى اعتماد قيم النزاهة والعدل، والتوازن والحيادية في التعامل مع ملف الصراع الفلسطيني والعربي- والإسرائيلي.
أجواء الارتياح ظهرت بوضوح في تصريحات العديد من المسؤولين الفلسطينيين عقب الزيارة التي قام بها لواشنطن في الثامن والعشرين من الشهر الماضي الرئيس محمود عباس، والذي استمع من أوباما ومن وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون إلى تصريحات قوية بشأن ضرورة الوقف الكامل بما في ذلك لحاجات النمو الطبيعي للاستيطان، وضرورة العمل لتحقيق رؤية الدولتين.
بعد زيارته لواشنطن صرح الرئيس عباس من القاهرة، أن المبادرة العربية غير قابلة للتعديل، وأن الفلسطينيين يرفضون إدخال أية تعديلات عليها، وكان ذلك إشارة غير مباشرة إلى أن الرئيس الفلسطيني ربما لم يتلق من مضيفه الأميركي أي طلب بهذا الخصوص، وإلا فإنه كان سيطرح المسألة بطريقة مختلفة.
وفي حديث آخر للرئيس أوباما كان قد قال «إن العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية لم تتسم بالنزاهة رغم خصوصيتها»، وكأنه يرد على ما تتناقله وسائل الإعلام عن الطرف الإسرائيلي الذي يطالب الرئيس الأميركي بالوفاء لما التزمت به إدارة بوش السابقة.
الموضوع قيد التداول والتعارض بين الأميركيين والإسرائيليين، يتصل بالمسألتين المطروحتين: الاستيطان ورؤية الدولتين، إذ يتكئ الإسرائيليون على ورقة الضمانات الشهيرة التي قدمها الرئيس السابق جورج بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريئيل شارون خلال زيارته للولايات المتحدة في الرابع من أبريل العام 2004، واعتبرها الفلسطينيون في حينه «وعد بلفور جديد».
تلك الوثيقة تحمل نصاً المواقف التالية:
في مطلع الورقة وتحت عنوان الخطة الإسرائيلية، يرحب الرئيس بوش «بخطة فك الارتباط التي أعدتها إسرائيل وستقوم بموجبها بسحب بعض المنشآت العسكرية وكل المستوطنات من قطاع غزة وبعض المنشآت العسكرية ومستوطنات من الضفة الغربية، وستشكل هذه الخطوة تقدماً حقيقياً تجاه الرؤية التي تحدثت عنها في يونيو 2002 حول دولتين تعيشان جنباً إلى جنب بأمان وستشكل مساهمة حقيقية تجاه السلام».
يحاجج الإسرائيليون بأن الوثيقة تتحدث عن تفكيك المستوطنات في قطاع غزة وقد حصل ذلك في سبتمبر 2005، وعن سحب مستوطنات من الضفة وليس المستوطنات، وبأن بوش أقر الحاجة للاعتراف بالأمر الواقع وأخذه بعين الاعتبار حيث تنص الورقة على «من غير الواقعي انتظار أن تؤدي مفاوضات الحال النهائي إلى عودة كاملة إلى خطوط هدنة 1949».
الإسرائيليون يتعاملون مع وثيقة الضمانات على قاعدة «ولا تقربوا الصلاة»، إذ يطالبون الإدارة الأميركية بالالتزام بما يناسبهم من وثيقة بوش، ويتناسون أن تلك الوثيقة أشارت أيضاً إلى رؤية الدولتين وهو ما اضطر لإيضاحه مبعوث الإدارة الأميركية لعملية السلام جورج ميتشل، أمام وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك الذي قام بزيارة واشنطن الأسبوع الماضي.
في حين صدور «وثيقة بوش»، أبدى الاتحاد الأوروبي تأييداً متحفظاً حيث طرح وزير الخارجية الفرنسي آنذاك مارتينيه جملة من الشروط تحت عنوان «خطة مصاحبة للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة»، وكان الغرض التأكيد على أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، يتم في إطار خارطة الطريق، وأنه بداية الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وليس من غزة أولاً وأخيراً.
وفي حينه أيضاً رفع خمسون دبلوماسياً أميركياً إلى الرئيس بوش رسالة في 4/5/2004 يحثونه فيها على تغيير سياسته الشرق أوسطية ويعبرون فيها عن قلقهم الشديد «من تصديق الرئيس يوم الرابع عشر من أبريل على خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي»، أحادية الجانب والتي تتجاهل حقوق ثلاثة ملايين فلسطيني، وتتجاهل حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، كما تبقي المستوطنات غير الشرعية الخمس الكبرى في الضفة الغربية المحتلة.
منذ ذلك الإعلان المشؤوم، وإسرائيل تعمل بشكل حثيث لفرض خطة الفصل أحادي الجانب، وأقصى ما تتيحه وثيقة بوش، وبدون النظر إلى ما يتعارض مع المصالح والسياسة الإسرائيلية التي تستهدف تهديد القدس وعزلها بالكامل، وإنهاء حق عودة اللاجئين، ومتابعة التوسع الاستيطاني، وفصل غزة عن الضفة وتحويل الأخيرة إلى بانتستونات معزولة عن بعضها البعض بما يزيد عن ستمائة حاجز عسكري وأمني إسرائيلي، ولمنع إمكانية تحقيق رؤية الدولتين.
عملياً فإن ما تطرحه حكومة نتانياهو يتساوى تماماً مع سياسة الحكومات التي سبقت، بما في ذلك حكومتي ايهود أولمرت وتسيبي ليفني اللتين نفذتا بقوة ما جاء في «وعد بوش»، بما في ذلك التظاهر بأنهما تقومان بالتفاوض مع الفلسطينيين على أسس مؤتمر آنابوليس، ولكن بدون أن تثمر تلك المفاوضات شيئاً.
ما يفعله الرئيس براك أوباما وأركان إدارته لا يخرج عن ما ورد في وعد بوش، ولكنه يريد أن يقول للإسرائيليين بأن تحقيق السلام يقتضي منكم أن تنفذوا ما يترتب عليكم من التزامات وردت في ذلك الوعد، ولا يكفي أن تحصلوا على ما ترغبون الحصول عليه.
إن من يدقق في مفردات السياسة الأميركية لن يعثر على تحول أو تغيير حقيقي وإنما سيعثر على تغيير في وسائل تحقيق ما التزمت به مع إسرائيل الإدارة السابقة، ولتحقيق سلام مستقر يحمي المصالح الأميركية والإسرائيلية، ذلك أن مواصلة إسرائيل فرض الحلول من طرف واحد لا يصنع سلاماً ويشكل تهديداً متواصلاً لمصالح الدولتين الحليفتين.
هذه القراءة لا تعني بالضرورة، إدارة الظهر لما تعلن وتقوم به الإدارة الأميركية، لكن التعامل معها، ينبغي أن يتخلص من الأوهام، وأن يستهدف الاستفادة من التعارض الناشئ بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من أجل إعادة بناء وعي الرأي العام الدولي لحقائق الصراع، بما في ذلك، تأكيد المجتمع الدولي على عدم شرعيته بل وخطورة الاستيطان الإسرائيلي، وحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، ومسؤولية إسرائيل عن تعطيل الجهد الدولي من أجل تحقيق السلام في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
عمل سياسي كهذا يستدعي إعادة توحيد الفلسطينيين، ثم تقوية الإدارة العربية الجماعية التي تلتف حول حماية حقوق العرب والفلسطينيين، ونحو بلورة إدارة عربية فاعلة على المستويين الدولي والإقليمي.
كاتب فلسطيني