سيضج العالم على مدى الأيام المقبلة في محاولة تحليل وتفسير خطاب الرئيس الأميركي أوباما الذي وجهه من القاهرة إلى العالم الإسلامي، هذا الخطاب الذي يمكن تفسيره، أو عدم تفسيره كأجندة عمل، يتوقع أن تسير عليها الإدارة الأميركية الجديدة، بعد الإدارة السابقة التي ترأسها الرئيس السابق جورج دبليو بوش والتي أشعلت جهات العالم بالحروب، وعملت على اختيار طريق صعب في الحوار ودفعت بالمزيد من التشنج والتطرف، ورسمت صور الكراهية على كل جدار، بالنسبة لنا نحن المسلمين والعرب وصلنا معه إلى نفق مظلم ومغلق في نهايته، وخرجنا من عهد بوش بألبومات من صور شنيعة وفظيعة، مؤلمة ومحزنة.
هذا الكلام ليس مدخلاً لتحليل ما قاله أوباما بالأمس، فهذا ليس من اختصاصي، وأتركه لعباقرة التفكيك والتحليل من جماعتنا في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، من الذين يشبعوننا يومياً وعبر الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة بتحف من التحليلات وأطنان من الكلام، حول ما فوق السطور وخلفها وبينها في السياسة، التي تتعامل بها أميركا معنا، لكن أزج نفسي في الموال باعتباره حدثاً عالمياً، وباعتبار أن الرئيس الجديد للولايات المتحدة يأتي اليوم بخطاب يسهب فيه بمدح الإسلام والمسلمين.
ويستشهد بآيات من القرآن الكريم، ويرفع من قاموس مفرداته كثيراً من الكلمات والجمل التي تستفزنا وتتهمنا بالإرهاب والإرهابيين، ويتخلص من لغة الرئيس السابق ذلك التشنج الفاضح، ولغة الغطرسة والجبروت، واستعراض غضب الكاوبوي الأميركي الذي يسبقه دائماً الضغط على زناد المسدس.. لأتساءل مثل غيري: هل يأتي أوباما اليوم في العالم الإسلامي ليقول إن زمن الكاوبوي قد انتهى في محاولة لرسم صورة تصالحية جديدة؟
هل يأتي ليقول إننا ظلمنا الإسلام والمسلمين في الفترة السابقة؟ وإن صورته الحقيقية المبنية على التسامح يجب أن تأخذ مكانها؟ هل جاء ليقول اغفروا لنا غضبنا الذي تمادى وخطأنا الذي تجاهل الحقائق؟
إذا كان هذا، فماذا علينا أن نجيب ونرد نحن في هذا المقام، ومقابل هذا المقام؟. منعش خطاب أوباما ومعد بشكل رصين وذكي لكي يتغلغل في المشاعر، يفترها ويبردها ويحقن بها الدماء التي فارت وتفور في العروق من جراء السياسات السابقة لأميركا في المنطقة. كلام عذب، لكنه كلام، اختلف حوله فقهاء التحليل بالأمس بين من قال إنه إطار عام لسياسة خارجية أميركية جديدة تحمل الكثير من التغيرات والتبدلات وإنه سياق عام لأجندة عمل مقبلة، وبين من قال إنه خطاب عام لا يمكن ضمان تحقيقه على أرضية الواقع. وانتظار أن يتحول إلى حقائق على أرض هو الأسلم بدلاً من الغرق والهيام في ديباجته وسياقه الأخاذ.
أتذكر، وحينما بدأ الترويج للحملات الانتخابية للرئيس الأميركي المرتقب، وكانت وسائل الإعلام تضج بأطنان من الأخبار، سألني ابني الذي لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره «هل أوباما أفضل من بوش؟.. قيل لنا في المدرسة إن أباه مسلماً..»، أجبته؛ وما رأيك أنت، قال «المهم أنه ليس بوش!»، حينها أوقفت المناقشة وتجاهلت الأمر.
تذكرت أن للسياسات الأميركية الخارجية محددات ومنطلقات عامة لا يزحزحها رئيس قادم وآخر يودع البيت الأبيض، فالمطبخ نفسه. جملة واحدة مهمة قالها أحد المفسرين لخطاب أوباما بالأمس «من السهل قبول هذا الخطاب الجديد لكن نحن.. هل لدينا مشروع استراتيجي عربي يعمل على استغلال ما جاء في الخطاب؟».
