عامان بالتمام والكمال مرا على الاشتباكات الدامية، التي أحالت مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان إلى ميدان رماية بين ما سمي بتنظيم فتح الإسلام والجيش اللبناني. وقتذاك، علق سكان المخيم بين أعضاء التنظيم الذين اعتصموا بالشوارع والأزقة وبعض البيوت وبين إصرار الجيش على ملاحقتهم واستئصال شأفتهم سريعاً، ما اضطرهم إلى إخلائه بالكامل تقريباً.
قبل نزوحهم ورحلة شقائهم، لم تكن حياة اللاجئين مما يسر الخاطر. وكان من المتوقع أن تضيف هذه الرحلة مزيداً من البؤس إلى حياة بائسة أصلاً. وعليه، نادى المشفقون من هذه النتيجة بعدم الإفراط في دك المخيم، واستخدام تكتيكات عسكرية أقل ضررا بالناس والعمران.. لكن سخونة الأحداث وتسارعها لم يسمحا بالتروي والإصغاء إلى هذا النداء. فكانت الغلبة لاتجاه التعجيل بإنجاز الهدف.
وبين يدي تبرير هذا الاتجاه، توالت الوعود بإعادة بناء المخيم وتعويض سكانه على نحو يعيد مسار حياتهم بأفضل مما كانت عليه أحوالهم من قبل، وفي وقت قياسي.
والشاهد أنه عندما تمت إزالة وجود «فتح الإسلام»، بدا المخيم، وكأنه قد زال بدوره وأصبح أرضاً محروقة؛ لا تصلح للسكن واستئناف سكانه لحياتهم حتى بحيثياتها البائسة سابقاً. وبحكم الضوابط والمحددات الصارمة الضاغطة عليهم، وجد هؤلاء الأخيرين أنفسهم أمام خيار واحد هو ترجمة وعود الواعدين السخية بالبناء والإعمار إلى أفعال. الأمر الذي لم يحدث إلى ساعتنا هذه.
ومع إدراكنا للفارق بين الخراب الذي يحدث في ثانية والعمار الذي يحتاج إلى سنين، إلا أن الواقع يخلو من الشواهد الموحية بجدية إنهاء معاناة لاجئي نهر البارد. وقد اختفت سريعاً بارقة الأمل التي لاحت قبل ثلاثة شهور، حين جرى وضع حجر الأساس لإعادة بناء المخيم في احتفالية رعتها الدولة اللبنانية بالتعاون مع سفراء أجانب ومنظمات أهلية.
هناك إجماع لبناني فلسطيني على استحالة التعاطي مع التوطين كحل لقضية اللاجئين. غير أن هناك ما يحول دون توقع تطبيق حق العودة الفلسطيني في أجل قريب. ومهما كانت المسافة الزمنية التي ستمضي لحين الوصول إلى هذه الغاية النبيلة والعادلة، فإنه من غير المنطقي والأخلاقي أن يجري تعليق لاجئي نهر البارد في وضعهم المزري الراهن كبرهان على التمسك بهذا الحق.
ربما كان الأنسب لمعالجة القضية هو اعتبار أن معركة تنظيف نهر البارد لم تنته لحين إعادة إعمار ما دمر من المخيم وإسكان ما شرد من أهله. والفرصة ما زالت متاحة لهكذا مقاربة شامل.
كاتب وأكاديمي فلسطيني