يحدث كثيرا أيضا أن أشعر برغبة في امتلاك كرة سحرية، تفتح لي أبواب المستقبل، وتكشف لي ما يختبئ خلف أستار الغيب، وكم من مرة انتبهت إلى أنني أفكر في لحظات أبعد بكثير من اللحظة التي أعيشها فعليا، وكأنني أستبق الزمان أو أستعجله، واكتشفت مؤخرا ـ بأسف ـ أن الزمان عنيد جدا مع من يُلْحف في سؤاله عن (ما بعد)، كما هو عنيد مع من يصر على أن يعيش في (ما قبل)، ربما لأنه يريدنا أن نعيشه في آنه، أن نشعر به لحظة بلحظة، لا أن ندفن أنفسنا في (الما قبل) أو نحلق بخيالاتنا في (الما بعد) فتبقى اللحظة نفسها غائبة عن واقعنا..
أظنه يريدنا أن نتذوق حلاوة أن نكون فوق سطح الأرض مباشرة، لا تحتها ولا تفصلنا مسافة عن سطحها... وأظنه يريدنا، أيضا، أن ندرك أن دروب الحياة كلها قصيرة.. لكننا لا نعرف ذلك، أو لا نريد أن نعرفه، لذلك نشعر بها تطول حينا، وتقصر حينا آخر، تقترب حينا، وتبتعد أحيانا أخرى.
ما الذي يقرب دروبا ويبعد أخرى، الواقع أو الإحساس بهذا الواقع؟ ولماذا تحدث الأمور التي لا نريدها، أو لسنا على عجل بشأنها بسرعة، وتبقى الأمور التي ننتظرها بشغف عالقة في مكان ما في عجلة أحداث هذا الكون، لا تبارحه إلا حين يبارحنا صبرنا أو يكاد؟
يحدث كثيرا أن نفكر في موضوع تفكيرا عابرا، فنجده سريعا ما يتخذ له حيزا في الواقع، لينتقل من الفكرة المجردة إلى الواقع المحسوس، وهو أبعد ما يكون عن اهتمامنا أو حاجتنا إلى حدوثه. وقد يخطر شخص على ذهننا كومضة سريعة، لا نكاد نشعر بها، فإذا به يمثل أمامنا في لحظة غير متوقعة.
المشكلة أن الذين يظهرون لنا على هذا النحو المفاجئ هم ، غالبا، من الذين لا يسعد القلب بلقائهم، ولا تفرح العين بمرآهم، لا عاجلا ولا آجلا، أو على الأقل.. هم من الأشخاص الذين نحمل لهم مشاعر محايدة، لا هي سلبية ولا هي إيجابية. أما الذين نريد رؤيتهم كل حين فإن الزمن ضنين علينا معهم حتى بما هو دون الومضة، ويبقون طيّ وريقات الأمل بالرؤية إلى حينٍ لا نعلم هل يطول أو يقصر.
وكثيرا، أيضا، ما نفكر في أمور تبدو لنا أحلاما بعيدة التحقق، وخيالا جميلا يلوح عن بعد في أذهاننا بين حين وآخر، فتنبعث من الصدور آهة حارقة لها معنى واحد غالبا وهو الإحساس بالاستبعاد أو الاستبطاء، ولكننا بعد فترة وجيزة ننظر إليها نظرة خلفية، مثلها مثل أمور وأحلام وخيالات كثيرة غيرها سبقتها، ونفثنا في انتظارها تلك الآهة من صدورنا المثقلة بالتفكير السلبي الذي يتعبنا ويقلق لحظاتنا، ثم أصبحت ؟كغيرها أيضا- ماضيا نستغرب حين نتذكره ونتذكر وضعنا النفسي ونحن ننتظر حدوثه متمنين أن تُطوى صفحات الزمان كي نصل إليه. هذا ينطبق على كثير من تفاصيل حياتنا اليومية، إذ إننا ننتظر في كل يوم يمرّ علينا شيئا أو نستعجل حدثا أو ننظر إلى هدف بعيد بمنظار الأحلام ذي العدسة المقعرة.
ما أقرب هذا من قوله عز وجل: {خُلق الإنسان من عجل}؛ فطبع الإنسان العجلة، كما جاء في التفاسير، وهو يستعجل كثيرا من الأشياء، وإن كانت مضرة. هذه العجلة هي التي تطيل دروبا هي في الأساس قصيرة ومن الممكن أن نصل إلى نهاياتها فعليا في زمن أقل بكثير مما نشعر به، لكننا لا نستطيع التخلص منها، أو لا يستطيع البعض منا ذلك، بسبب إحساسنا المثقل بالانتظار والترقب، دون أن ننفي وجود الأشخاص الذين يعيشون زمنهم كما هو بحقيقته، مسلمين أمورهم إلى مدبرها.
لا أعرف إن كان لهذه الحالة التي أصفها تفسير عند العلماء، ولا أعرف كيف يمكنهم أن يفسروا هذا الإحساس النفسي تجاه مفهوم غير مادي أساسا ـ مفهوم الزمن ـ، وما المقياس الذي يعتمدون عليه في تفسيراتهم، ولكني أشعر أن معظم التفسيرات ستكون تخمينية، لأن الغوص في العوالم الداخلية لبحث حقيقة الإحساس بحركة الزمن حولنا، أو حركته بنا، لا يمكن أن يستقصي جميع الاحتمالات الممكنة، ولا يمكن أن يجمع كل الأحاسيس البشرية في سلة واحدة.
ومع كل ما يمكن أن يقال من تفسيرات علمية، أو احتمالات أو افتراضات تحتاج إلى أدلة وبراهين تثبتها، لا أظن أن شيئا سيتغير في النفس الإنسانية حيال إحساسها بالزمن، ولا أظن أن واحدا منا يمكنه أن يتحول إلى كائن محايد في علاقته بالزمن وهو ليس كذلك في الأصل، وسيبقى الزمن طويلا ممتدا مع المرغوب من الأمور، وقصيرا منطويا مع غير المرغوب منها، وستطول دروبنا شوقا للوصول إلى ما نريد.. أو من نريد، مع أنها في أصلها قصيرة، ونحن نعلم جيدا أنها كذلك، لكننا سنبقى مستلبين لفكرة الدروب الطويلة أو المتطاولة، نقتفي أثر التساؤل الذي خلفه لنا فيلسوف الشعراء: أطويل طريقنا أم يطولُ! وما يتضمنه من إقرار ضمني بجواب لا يحتاجه المتلقي صراحة كي يفهمه؛ فهو كالمتنبي، أدرى به.
لستُ أملك القدرة على التحرر من هذا الإحساس، في كل أمور حياتي جليلها ودقيقها، وقد يكون هذا حال كثيرين حولي، حتى في أشد الأمور وضوحا وأكثر الدروب تحديدا لمسافاتها. وستبقى دروبي دائما تطول وتتفرع، وتأخذني ـ نفسيا ـ إلى أبعد المواضع.. تلك التي لن تقودني بأي حال من الأحوال إلى مبتغاي.. القريب جدا مني.. بحيث لا يفصلني عنه ـ في الواقع ـ سوى إحساسي النفسي به وبالزمن الذي يحتويني معه، لكنه شكل من أشكال علاقة الإنسان بالزمن، وبدروب حياته القصيرة.. الطويلة.
جامعة الإمارات