في الثاني عشر من يونيو الجاري ستجرى في إيران الانتخابات الرئاسية العاشرة، وسط أجواء داخلية لا تخلو من التشنج، وأجواء خارجية متوترة جداً، على المستويين الإقليمي والدولي. ويتنافس على الرئاسة: الرئيس الحالي أحمدي نجاد، ومحسن رضائي القائد السابق لقوات الحرس الثوري، وهما محسوبان على التيار المحافظ، ومير حسين موسوي رئيس الوزراء الأسبق، ومهدي كروبي الرئيس الأسبق للبرلمان الإيراني، المحسوبان على التيار الإصلاحي.

هؤلاء المرشحون الأربعة هم أبناء المؤسسة الإيرانية الحاكمة التي تؤمن بالنظام السياسي المنبثق عن الالتزام بعقيدة «ولاية الفقيه» في الحكم، وقد شغلوا مناصب متقدمة فيها، ولم يكن أحد منهم، في يوم من الأيام، في موقع المعارضة، من قريب أو بعيد.

الإصلاح في سباق الحملة الانتخابية الإيرانية يتعلق بالموقف من ملفات عديدة تتضمن: حقوق القوميات غير الفارسية، حقوق المرأة، حقوق الإنسان، حرية تشكيل الأحزاب، حرية الصحافة، منظمات المجتمع المدني، الوضع الاقتصادي، العلاقات مع دول الجوار، العلاقات الدولية.

المرشحان المحسوبان على التيار الإصلاحي قد تطرقا إلى بعض هذه الملفات في حملتهما الانتخابية، خاصة ما يتعلق بحقوق القوميات غير الفارسية التي تشكل 58% من سكان إيران، وهم الآذاريون والأكراد واللور والعرب والبلوش، مقدمين وعوداً بعدم تهميشهم، وبإسناد مناصب وزارية لهم، وغير ذلك من الوعود التي اعتاد الناخبون من أبناء هذه القوميات على سماعها كل أربع سنوات.

التيار المحافظ، من جانبه، لا يرغب في مغادرة الخندق الذي ولد ونشأ فيه، وهو خندق الثورة المنغلق على نفسه.

الثورات، في كل حقب التاريخ، لها خطاب متشابه، يثير العاطفة أكثر مما يحاور العقل، حاد وعنفواني ومحرض وهدام، وقد يكون دموياً في بعض الأحيان. الثورة تعني إعلان مبادئ جديدة ومواقف غير قابلة للنقاش، وتعني جمهورا يستمع ويندفع، وتعني إلغاءً لقوانين وأعراف قائمة واستبدالها بأخرى. هكذا كان الحال في الثورات التي شهدناها في القرن العشرين، في مصر وفي العراق وفي سوريا وفي كوبا وفي إيران، وغيرها الكثير من دول العالم.

وإذا اقتصر حديثنا عن الشرق الأوسط، فلم يتبق منها غير الثورة الإسلامية الإيرانية، التي مرت هي الأخرى بخطاب العنفوان الذي هدر مع الخطوات الأولى للخميني على أرض طهران بعد منفى طويل، قاد منه حركة المعارضة الواسعة لنظام الشاه، ليختزلها في النهاية مشروعاً إسلامياً جاهزاً للتصدير إلى الدول الأخرى، المجاورة بشكل خاص، تحت شعار المعاداة للولايات المتحدة وإسرائيل.

والحقيقة أن هذا المشروع قد اصطدم بجدار التاريخ، الذي وجده غريباً عن سياقاته، قبل أن يصطدم بصلابة القوات المسلحة العراقية التي دخلت في حرب طاحنة مع إيران الخمينية، وحجمت إلى حد كبير من طموحاتها. وما كان لهذا المشروع إلا أن يتراجع تدريجياً عن هجوميته مقابل قناعات تولدت لديه كردود فعل لنكوص في القدرات على التطبيق، من جهة، وعدم توافر الأدوات والآليات لعملية تصدير الثورة من جهة أخرى.

هكذا مهدت سنوات الحرب مع العراق، وما أعقبها من سنوات الركود في الساحة السياسية الإيرانية، الطريق سالكاً للانتقال إلى خطاب العقل الذي تجسد سياسياً في صعود شخصية متميزة، تحمل صفات المفكر أكثر من صفات السياسي، إلى سدة الرئاسة في عام 1997، وهي شخصية الرئيس محمد خاتمي، الذي ينتمي إلى مؤسسة دينية تقليدية ورث عنها اللبوس الديني، ولكنه ينتمي، في الوقت نفسه، إلى مؤسسة العقل الحداثية في تناوله لموضوع العلاقات مع الحضارات الأخرى، حواراً وتواصلاً.

في خطابه السياسي، تبنى خاتمي أطروحات حركة إصلاحية، تبشر بالخروج من جلباب التنظير اللاهوتي لصالح ليبرالية متحفظة يرى أنها لا تتعارض مع جوهر الفكر الإسلامي. فقد جلب عهده استقراراً ملحوظاً في العلاقات مع دول المنطقة من جهة، وخلق حواراً، لا يخلو من الثراء، داخل المؤسسة الدينية نفسها من جهة أخرى.

إلا أن الإصلاحات التي باشر بها خاتمي قد خلقت أجواءً لم ترق للمؤسسة المحافظة الحاكمة، فقد أصبحت المساحة الضيقة من الحرية التي أتاحها، مصدر قلق لهذه المؤسسة التي بدأت تشعر بوخز سهام النقد والتجريح، فوجد نفسه في موقف المحرج بين مهادنتها أو مشاكستها. فبعد مرور أقل من عامين على تولي منصبه اضطر لأن ينتهج سياسة متناغمة مع ثوابت هذه المؤسسة، فعمد إلى تهميش ما أجراه من إصلاحات في مجال توسيع مساحة الحرية الاجتماعية والثقافية، خاصة ما يتعلق منها بالمرأة، وما يتعلق بحقوق القوميات غير الفارسية.

لقد فشل التيار الإصلاحي، الذي قاده خاتمي في تثبيت وجوده، ليس لأن عملية الإصلاح غير مجدية، بل لأنها تمت بشكل غير كافٍ، ومن موقع غير مؤثر بما فيه الكفاية. ولعل من الظلم القول، كما يروج لذلك البعض، إنها قد فشلت، لأن الشعب الإيراني لم يتقبلها.

وقد أعاد المحافظون سيطرتهم التامة على مجريات الأمور، ووجدوا في سقوط النظام العراقي السابق، بفعل الاحتلال الأميركي، فرصة لإعادة الخطاب الثوري نفسه والأهداف نفسها إلى صدارة الأحداث، بعد أن أصبح لهم في العراق الجديد نفوذ ما كانوا ليحلموا قط أن يتحقق تحت أي ظرف من الظروف.

هكذا صعد الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة ليعيد العنفوان إلى الخطاب الخميني، في ظل ظروف جديدة وجدت إيران نفسها فيها، وسط اهتمام إقليمي وعالمي كبير بسبب إصرارها على امتلاك التكنولوجيا النووية التي تفتح لها بوابات القوة والنفوذ، وإصرارها على توسيع مساحة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط.

إن فرص الإصلاح ليست كبيرة حتى في حالة فوز أحد المرشحين الذين يدعون إليه، فالصدام مع تقاليد المؤسسة الشمولية القائمة لن يكون في أجندة أي من المرشحين للرئاسة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae