قياساً بأصحاب المشروعات النووية العسكرية في طول خريطة القوى الدولية وعرضها، تعد كوريا الشمالية نسيجاً متفرداً. فهي وحدها التي أعلنت طموحها وأدارت مشروعها علي الملأ وبشفافية غير مشوبة بأية مخاوف من ردود الأفعال.
بل ولم تحل الردود والعقوبات التي وقعت بالفعل دون بيونج يانج واستمرارها علي نهجها.. لدرجة أن أي متابع أو مهتم بوسعه الوقوف على خطواتها النووية منذ كانت فكرة إلى أن فجرت أول قنابلها عام 2006.
قد يوصف هذا النهج بالفجاجة والاستخفاف بالشرائع المانعة لحيازة أسلحة الدمار الشامل.. لكنه يبقى أكثر مقبولية لدى المنصفين من سلوك المراوغين والخبثاء كالإسرائيليين، الذين راكموا أكثر من مئتي رأس نووي وهم ينكرون!
وربما كانت العلنية سياسة مدروسة.. هذا الاحتمال الأخير وارد، فأثناء سيرورة مشروعها، ساومت بيونج يانج طويلاً معظم الأطراف الدولية المعنيين بلجمها وصرفها عن هذا المشروع فرادي ومجتمعين.
وقبل أقل من عامين أشهرت بالجرأة ذاتها تخليها عن الأبعاد العسكرية للتقنية النووية، وارتضت فتح مفاعلاتها للتفتيش الدولي تمهيداً لتفكيكها.
وكان المقابل المفترض هو تلقي مجموعة حوافز مادية اقتصادية ومالية وأمنية، فضلاً عن تنشيط التعامل السياسي معها وتحسين صورتها بدلاً من عزلها اقليمياً ودولياً. وساهمت في تقديم الوعود بهذا الشأن كل من الولايات المتحدة والأوروبيين واليابان وكوريا الجنوبية.
وقتها، لاقت هذه الخطوة استحسانا شبه عالمي، باعتبار أن نظام بيونج يانج فاوض بحنكه وحصل علي أقصي الممكن.
وأنه أدرك ثمن العكوف على مشروعه في ظل قطيعة متعددة الأشكال، والدخول في سباق تسلح سبق أن أورد غيره موارد الإفلاس والفاقة، كشأن الاتحاد السوفييتي ذات مراحل. ولقد قيل بالخصوص أن المفاوض الكوري الشمالي تجنب السيناريو الذي سوف تبدو وفقه دولته ذات رأس كبير عسكرياً يحمله جسد هزيل اقتصادياً؛ محاصر ومعزول.
هذه الوقائع تثير الحيرة بشأن الموقف الكوري الأخير. ففي غمرة الغضب من استنفارها الفجائي وجنوحها للتصعيد العسكري والسياسي إلى حد استئناف تجاربها الصاروخية وإعادة تشغيل مفاعلاتها، وصولاً إلى إعلانها فض الهدنة المعقودة مع سيول منذ أكثر من خمسين عاماً ، لم يتساءل المعنيون عما أهاج بيونج يانج وأهاجها حتى وقفت علي أطراف أصابعها؟
ترى هل نكص الآخرون عن وعودهم؟ هل آنست منهم بيونج يانج غدراً أو تأبطت شراً؟.. هناك شيء ما مبهم في المشهد الكوري يحملنا على التريث في تبصر كنه ما يجري والحكم عليه.
كاتب وأكاديمي فلسطيني