إعلان كوريا الشمالية عن إجراء تجربتها النووية الثانية بنجاح، والتي بلغت قوة العبوة النووية فيها بما يكافئ 10 ـ 20 كيلو طن من التروتيل، وهى تأتى عقب تجربة أولى جرت عام 2006، فجر ردود فعل دولية جادة على تجاهل بيونج يانج لقرارات الشرعية الدولية، والتي تقضى بتصفية قدرات كوريا الشمالية الصاروخية والنووية.

وقد أدان الرئيس ديمتري مدفيدف التجربة الكورية ودعا إلى ضرورة القيام برد جدي على التجربة النووية الكورية الشمالية، باعتبار أن هذه التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية، تمثل خرقا مباشرا لقرار مجلس الأمن الدولي 1718، وتتعارض مع قواعد القانون الدولي.

وطالبت موسكو بالعمل بنشاط في إعداد قرار جديد لمجلس الأمن بشأن كوريا الشمالية، ومواصلة المشاورات مع الشركاء في المفاوضات السداسية المتعلقة بالقضية النووية في شبه الجزيرة الكورية.

وأجرت موسكو سلسلة مشاورات مع واشنطن وطوكيو وسيول بهدف البدء في تحرك جاد لإيقاف توسع انتشار الأسلحة النووية، ومن أجل تحويل شبه الجزيرة الكورية إلى منطقة خالية من الأسلحة النووية. بل وأعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أن روسيا لا تمانع في تأييد «قرار شديد» ضد كوريا الشمالية بسبب التجربة النووية التي أجرتها، ولم يستبعد أن يتضمن القرار عقوبات ضد بيونج يانج.

ويجب القول إن رد الفعل الروسي كان متوقعا، لأن روسيا خلال السنوات الماضية أخذت على عاتقها مهمة توحيد الجهود الدولية نحو منع انتشار الأسلحة النووية والإستراتيجية، وتعكس جهود موسكو الرامية للتوصل إلى معاهدة جديدة مع واشنطن بديلة لمعاهدة ( ستارت ـ 1) التي سينتهي مفعولها في أواخر العام الحالي جوهر السياسة الروسية التي تسعى لتقليص السلاح النووي، وتوسيع رقعة المناطق الخالية من الأسلحة النووية، من أجل حماية البشرية.

وهذا التوجه ينسجم تماما مع مساعي الدبلوماسية الروسية لتسوية أزمات ونزاعات البؤر الساخنة عبر الحوار، ونبذ استخدام القوة، وهو ما نلمسه في سياسة روسيا لتسوية أزمة الشرق الأوسط أو حل الأزمة الأفغانية، وتسوية أزمة الملف الإيراني.

ولاشك أن تصاعد حدة التوتر في العالم، ولجوء بعض القوى لاستخدام القوة العسكرية لتسوية نزاعاتها الإقليمية، لابد وأن يؤدي لتنامي النزعة العسكرية، وتزايد جهود الدول لتوسيع ترساناتها العسكرية والركض لاقتناء الأسلحة الهجومية والإستراتيجية.

يبدو أن البحث عن سبل منع انتشار استخدام الطاقة النووية في أغراض عسكرية دون التعاطي مع الأسباب والدوافع أمر غير واقعي وغير مثمر. بل أنه غير منطقي لأنه سيقسم العالم إلى دول نووية، تمتلك السلاح المرعب والقدرة العسكرية الجبارة وتمنح نفسها حق السماح والحظر على الآخرين، ودول غير نووية تعاني دائما من تهديد السلاح النووي، مما يعني غياب منطق العدالة من جهة، ومنطق التعددية في ميزان القوى الدولي من جهة أخرى.

الجميع يقر ويؤكد أنه لن يستخدم السلاح النووي، مما يطرح تساؤلا حول سبب الإصرار على الاحتفاظ بحق امتلاك هذا السلاح المدمر وحرمان الآخرين من ذلك، يبدو أن السبب يكمن في أن هذا الوضع يتيح الفرصة لأعضاء النادي النووي للتمتع بقدرة الردع النووي ضد من لا يمتلك هذا السلاح، ويكشف المنطق البسيط ـ بصرف النظر عن موقفنا من هذا النظام أو ذاك ـ أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل فتعرض لضربة عسكرية أميركية لم تنتهي مضاعفاتها وأثارها الكارثية حتى الآن، بينما اقتصر التعامل مع كوريا الشمالية حتى الآن على المفاوضات والحوار القاسي أو الحاد، ولكنها لم تتعرض لضربة عسكرية!

ولابد من القول إن التعامل مع مشكلة الأسلحة النووية بالمنطق الحالي لن يحقق انجازات على مستوى منع انتشارها، طالما ظلت الأسباب المحركة لها كامنة ودون محاولات جادة للتعاطي معها. أكثر من هذا سيؤدي الإصرار على السبل المستخدمة لحل هذه المشكلة الدافع لتصعيد سباق التسلح بكافة أشكاله وأنواعه، لأن منطق البقاء للأقوى مازال هو السائد في العالم.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com