بلغ الفساد المالي، الموصول تلقائياً بالفساد الإداري والسياسي في العراق المحتل، مستويات لم تعد السلطات الوطنية أو الأميركية بقادرة على كنسها تحت السجاجيد. رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يتولي بنفسه قيادة حملة مكافحة هذا الفساد.. ولهذا الغرض استحدث هيئة للنزاهة وربطها بمجلس الوزراء مباشرة؛ وظيفتها مراقبة سير الأوضاع عبر مدير عام في كل وزارة.
في بواكير أنشطتها وتحرياتها، كشفت الهيئة وجود نحو ألف موظف، بينهم وزراء ومديرون عامون، متهمون بارتكاب مخالفات مالية جسيمة. ومنذ أبريل الماضي تتوالى أخبار ملاحقة هؤلاء وإيداعهم قيد التحقيق بالجملة والقطاعي. انتقض المالكي ومعاونوه بعد أن تبوأ العراق «الديمقراطي الجديد» المركز الثالث بين الدول الأكثر فسادا عالمياً!
وبات زهاء ثلث العراقيين يعيشون تحت خط الفقر المدقع.. وهم أبناء الدولة التي أغرت ثروتها النفطية عالم الأقوياء بغزوها واحتلالها. قبل الحملة المتفاعلة لم يكن حديث الفساد في «العراق الجديد» بالقول المكذوب. غير أن وخز الضمير أصاب بعض مسؤولي سلطة الاحتلال السابقين والحاليين، فراحوا يبسطون مفردات هذا الحديث ومعطياته على الملأ.
ستيورات بوين، الذي شغل منصب المفتش الأميركي العام في بغداد لستة أعوام منذ 2003، أحد أبرز الذين باحوا بما لديهم من معلومات وأصدرها في تقرير شامل عن «تجربة إعمار العراق» موضحاً حجم الفساد وأسبابه في هذه التجربة. في شهادته، يعزو بوين تفشي التلاعب بأموال الإعمار وغيرها إلى تحول هدف الغزو الأميركي نحو إحلال الديمقراطية وبناء اقتصاد السوق، بعد إخفاق إدارة بوش في العثور على أسلحة دمار شامل تبرر الغزو.
وكان هذا التحول الفجائي مدعاة لزيادة تكاليف الإعمار بفعل تقويض مؤسسات الدولة. وقد تحالف على استهلاك الأموال التي رصدت لهذا الغرض شركات الإعمار الأميركية وشركاؤها من المقاولين المحليين، والمسؤولون الأمنيون «المسرفون».
يستطرد المفتش بوين إلى الجدل الأميركي الداخلي حول خيار غزو العراق، موضحاً أن كولين باول وزير الخارجية توقع تبعثر الدولة العراقية وانتشار الاضطرابات المدنية. وهو ما حدث بالفعل. شهادة بوين تقول مواربة: إن الفساد الأكبر في عملية اتخاذ قرار الحرب استدعى متوالية الفساد المالي والإداري التي نسمع ونرى..
وأن قرارا اعتمد الغش والتضليل، ما كان له سوى أن يفضي للنتيجة الراهنة. إذ كيف يتأتى لغزو سحق الديمقراطية في طريقه أن يؤدي إلى بنائها في البلد المحتل؟!.وهذا لا يضيف إلى معارفنا كثيرا.. ومع ذلك فإننا نقبل هذه الشهادة كحجة مضافة إلى إضبارة الإدانة التاريخية لغزو العراق وتدميره.