قديما قيل لولا الأسعار لبارت السلع ومنذ زمن والنظريات المالية تتعمق حول كيفية تحليل أداء الأسواق وفق عنصر الأسعار إلا أن تفسيراتها مازالت غير قادرة على التوجيه وإن كانت قادرة على وصف عدم الاستقرار السعري.

وعلى أساس عنصر الأسعار انقسم العالم المالي إلى رأسمالي يدعو إلى عدم التدخل في أسعار السلع والخدمات واشتراكي ينادي بالتسعير التام، أما النظرية الإسلامية فقد جاءت لإعطاء الحرية للممارسات السعرية مع وجود حالات يجوز للدولة التدخل فيها (الاحتكار ـ الغش ـ الاضرار بالغير) لتجعل العلاقة بين الدولة والأسعار علاقة حماية للنشاط الاقتصادي.

هذا ولقد عرف الاقتصادي تشارلز داوو السعر بأنه عدد من الوحدات النقدية أو العينية التي يوافق شخص ما على البيع به وشخص آخر يوافق بالشراء به في سياق شرحه للتحليل الفني القائم على تحركات السوق من خلال عنصرين السعر وحجم التعاملات، واقتصاديا عرف السعر بأنه عملية مبادلة نقدية من قبل المستهلك للسلع والخدمات، أما أجمل ما قيل في السعر العادل ما أجاب به هارون الرشيد عندما سئل عن قيمة نصف كوب من الماء في الصحراء فأجاب نصف مملكتي.

وبذلك تكون الأسعار الركيزة الأساسية لاستراتيجيات التسويق من خلال التركيز على المستهلك في محورين: القدرة على تحفيز الشراء من قبل المستهلك، والقدرة على عكس مستوى جودة السلع.

أما اجتماعيا فقد جاءت الأسعار لترسم اداء الآليات التجارية من خلال تحديدها عددا من مقومات التفاعل الاجتماعي (القدرة الشرائية ـ أنماط الاستهلاك ـ مستوى الإنفاق- مستوى التنافس التجاري) لينتج عنها تمايز بين الطبقات الاجتماعية وفق مستوى القدرة والرغبة الاستهلاكية. وعليه جاءت حقيقة تعاطي الحكومات مع الأسعار كونها تتعامل مع مستوى الغضب الاجتماعي لكون عنصر الأسعار أحد مظاهر العداء بين الغني والفقير وإنفاق الدولة للحد من قسوته يعني نمو الاحترام الاجتماعي بين فئات المجتمع.

إن إدراك الأسعار وليست القيمة الحقيقية للأشياء هي الفيصل بين ماذا أريد وماذا أحتاج لذلك فان القيمية السوقية يفترض دائما صحتها فالاداء الجيد لا يفترض وجود فقاعة سعرية أو انهيار سعري والذي لا تكون الا نتيجة تغيير جذري للاستهلاك.

نظريا جاء إعصار الأسعار مخالفا لمفاهيم العرض والطلب بشكل مباشر لوجود استثناءات كثيرة فالسلع الراقي تصنيعها والطلب عليها لا يقوم وفق مبدأ هبوط الأسعار بشكل مباشر كما أن زيادة الطلب على الاسهم والسندات لا يخلق اصدار اسهم جديدة بناء على زيادة الطلب وليس بالضرورة ان يكون وليد انخفاض الأسعار ولكن بناء على الاختلاف السعري المتوقع من عوائدها أو أسعارها.

بالاضافة إلى قوة تدخل السياسات الحكومية في عنصر الأسعار اقوى من مفاهيم العرض والطلب، فالحكومات تقرر زيادة الضرائب على شركات التبغ والمشروبات الكحولية وفق سياسات الاهتمام بالصحة لتقليل الطلب كما تعمد لخفض رسوم استخدام وسائل الموصلات العامة لخلق استخدام أكبر ولتعالج قلة الطلب وهنا ندرك أن في الفرض الاول لم ترتفع الأسعار لقلة العرض أو زيادة الطلب اما في الثاني فلم تنخفض الأسعار لزيادة العرض أو قلة الطلب وإنما باعثها الاساسي هو سياسات التوجية السعري من قبل الحكومات.

إن ما يعايشه العالم اليوم من خلال الأسعار ما هو إلا نتيجة وجود أسواق عالمية تنادي بالانفتاح التجاري ومحاربة سياسات الحماية والانغلاق الاقتصادي وهي اشد دول العالم انغلاقا اقتصاديا فالولايات المتحدة الاميركية التي تشكل 25% من حجم الاستثمار الدولي لا تسمح بزيادة الواردات أكثر من 15% من خلال تبنيها لقيود الاستيراد والضرائب المفروضة على الواردات والتي شملت أكثر من 900 منتج، أما فرنسا فهي تدعو إلى عدم الدعم والحماية وهي تدمي افريقيا من خلال دعمها الزراعي.

قوانين تجارية غير عادلة وأنظمة من الدعم الصناعي والتجاري قاتلة للتنافس التجاري أو حتى المشاركة دون تحقيق الأرباح وفي النهاية غياب المفهوم الحقيقي للأسعار المبني على المميز التنافسي لإنتاج الدول وفق كم المبيعات أو الأثر المباشر لسعر التكلفة حيث ان الأسعار العالمية اليوم هي وليدة سياسات الهيمنة الاقتصادية وخلق الشراهة السوقية.

فأصبح السعر العادل تحددة رغبة الدول العظمى ورغبة النظام المصرفي العالمي متمثلا في ثلاث مؤسسات مالية (صندوق النقد العالمي ـ البنك الدولي ـ منظمة التجارة الدولية) مسوؤلياتها تجاه العالم الثالث دعم ونصح وارشاد مالي وفق مبدأ استيقظ قليلا.

أما تعاطي الدول العربية مع عنصر الأسعار فهو مشابه لمفهوم الجودة العربية الا وهو «إن تفعل شيئا وفي حقيقة الأمر أنت لا تفعل أي شيء كون ملخص الأسعار عندها انهكتة الضريبة المباشرة وغير المباشرة التي تؤثر سلبا على الطبقة الوسطى والفقيرة ولا تنعكس على تحسين أحوالهم وفي أحسن الاحوال الانفاق العام لا يميز أين الانفاق الجيد أو أين الخطأ في الانفاق، فالأسعار لا ترتفع كباقي دول العالم بنسبة 3-5% سنويا وانما 100-300% فى أقل من عام معتمدة على نوع الإساءة السوقية المسموح بها.

خليجيا يأتي عنصر ضبط الأسعار وفق مبدأ اجتماعي أكثر منه اقتصادي من حيث المطالبة بدور رقابي أكبر، كون نافذة الأسعار (الرواتب ـ رسوم الخدمات والضرائب ـ غياب تشريعات الحماية الاستهلاكية أو ضعفها). فالمعادلة هي انه بارتفاع الأسعار تأتي المطالبة برفع الأجور، وبرفع الأجور ترتفع تكاليف السلع والخدمات مما يقود مرة أخرى إلى رفع الأسعار وهكذا أصبحنا في دائرة متضاعفة حتى وصلنا إلى مفهوم بدل غلاء معيشة 5% سنويا.

أما تجربة الأسعار الخليجية في الأزمة المالية فتمثلت في حقيقتين:

ـ أن الاتجار المبني على تراكم الديون مثل تراكم الأسلحة ضررها أكثر من نفعها والخطأ فيها مهلك.

ـ واقتصاديا لا يهمنا سعر برميل النفط بالدولار ولكن يهمنا ما يشتريه سعر البرميل من سلع وخدمات وإلا فإننا مازلنا نصدر الخام رخيصا لنستورد البنزين اغلى.

وفي الختام نقول نظريا قد لا تجعل الأسعار السوق أفضل ولكنها ضمانة ضد السقوط السلبي والتصحيح الحاد خصوصا المبني على مديونية عالية، بالاضافة إلى كونها الكفيل بالاجابة على السؤال المالي كيف ومتى الخروج من الركود التجاري؟.

باحث في الاقتصاد الدولي

I2dubai@hotmail.com