ظهرت صورة الشرق في أبهى حللها وأجمل صورها في كتابات العديد من الرحالة الفرنسيين، وهم في الواقع كثر ولكن سنأخذ نموذجين على سبيل المثال، اندريه جيد الذي فاز بجائزة نوبل عام 1947 الذي قال في كتابه عن رحلاته المشرقية: «أنا الآن عرفت أن حضارتنا الغربية ليست فقط أجمل الحضارات، كنت أعتقد أنها الوحيدة، الآن اكتشفت إننا ميراث هذه الحضارات الشرقية».

أما الشاعر الفرنسي لامارتين الذي يقول عن رحلاته إلى الشرق» أحسست أن جسدي وروحي هما أبناء ضوء الشمس، وأنهما في حاجة إلى شعاع الحياة الذي يأتي من هناك».

وفي الواقع من يتعمق في قراءات الكثير من الرحالة الأجانب والفرنسيين على وجه الخصوص وخاصة كتابات القرن التاسع عشر يلمس إعجابا منقطع النظير بسحر الشرق وجماله، كما يرى أن الشرق بصحاريه وجباله وسهوله حاضر وبقوة في المخيلة الغربية. والسؤال التاريخي الملح، لماذا الرحيل إلى الشرق؟ ولماذا الإعجاب به؟

الجواب على هذا السؤال يقودنا إلى دراسة أسباب اهتمام الغرب بالشرق، في الواقع تعددت الأسباب حيث كانت في البداية عبارة عن مسببات دينية بقصد التبشير، لكنها ما لبثت فيما بعد أن أصبحت سياسية تبعاً للعلاقات التي ربطت بين العالمين الغربي والشرقي وهي المتمثلة في صورة المستعمر الذي رأى في الشرق مناجم من الثروات الطبيعية والبشرية التي لابد من استغلالها.

وقد تولد عن هذا الاحتكاك وتلك العلاقات حالة من التمازج الثقافي، فأبدى أدباء الغرب إعجابهم على سبيل المثال بحكايات الشرق خاصة الموجود منها في ألف ليلة وليلة فحاول أن يزور الأرض التي أنتجت مثل هذه الحكايات الساحرة وغيرها كما حاول أن يرسخ من وجوده الثقافي.

وعلى الرغم من نهاية الحقب الاستعمارية إلا أن علاقة الدول تطورت مع العالم الغربي وأصبح العالم اليوم أشبه بقرية كونية صغيرة تحددها جملة من المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى والسياسية والثقافية، خاصة مع ظهور النفط في دول الخليج وبروزها بالتالي كقوة تتحكم في أغلى سلعة اقتصادية في العالم، فهذا العامل بالذات هو المسؤول عن توجيه أنظار العالم الغربي ليبحث عن موطئ قدم له في منطقة الخليج.

وقد أثبتت التجارب التاريخية وخاصة المتعلقة بالوجود الفرنسي عندما ترتبط مصالحه بالعالم الشرقي بأنه لا يحضر بدون الثقافة، فالثقافة أولاً والسياسة والمصلحة الاقتصادية تأتي تباعاً في خط مستقيم لا تنفصل الواحدة فيه عن الأخرى، فهذه المنظومة الكلاسيكية المتناغمة هي التي تميز الحضور الفرنسي عن غيره في أي مكان ترتبط فيه مصالحه بالعالم.

مناسبة هذا الاستهلال التاريخي الحديث الدائر اليوم عن افتتاح القاعدة العسكرية الفرنسية في أبوظبي وهي بالمناسبة أول قاعدة عسكرية تفتتح في الخارج منذ فترة استقلال المستعمرات الفرنسية السابقة في إفريقيا، وقد جاء الاتفاق حول افتتاح هذه القاعدة واتفاق التعاون في مجال الطاقة النووية بين فرنسا والإمارات قبل عام وبالتحديد في يناير 2008 في أثناء زيارة ساركوزي إلى أبوظبي، وقبل أسبوع حوّلت سلسلة هذه الاتفاقيات إلى واقع عملي ملموس.

وقد جاء تنفيذ هذه الاتفاقيات في إطار العلاقة الإستراتيجية التي تربط بين الجانبين وخاصة في المجال العسكري الذي يعتبر من أكثر المجالات قوة ومتانة في العلاقة القائمة بين الإمارات وفرنسا، والذي يرجع بداية التعاون فيه منذ عام 1973، عندما بدأت الإمارات بشراء السلاح الفرنسي، وأصبحت فرنسا فيما بعد تحتل مرتبة الصدارة في قائمة الدول المصدرة للسلاح بالنسبة لدولة الإمارات.

وقد توجت هذه العلاقة العسكرية الإستراتيجية عام 1995 عندما وقع البلدان على اتفاقية للدفاع والتعاون العسكري والتي التزمت خلالها فرنسا بالدفاع عن أراضي وسيادة دولة الإمارات في حالة تعرضها للعدوان، وبالتالي فإن افتتاح هذه القاعدة العسكرية يأتي كتتويج لمجمل العلاقات الإستراتيجية التي تربط بين أبوظبي وفرنسا.

فلتطمئن إذاً دول الجوار في المنطقة إلى الحضور الفرنسي في أبوظبي، فهو ليس عسكرياً بأكمله، فهناك رسالة ثقافية يحملها في جعبته، وهذا هو الشيء الملفت للنظر في مراسم افتتاح القاعدة العسكرية.

فالحضور الثقافي الفرنسي كان موجوداً وذلك من خلال إطلاق أعمال بناء «اللوفر» أبوظبي في احتفال رمزي أقيم في قصر الإمارات، فالإمارات وفرنسا قد سبق لهما توقيع اتفاقية عام 2007 مدتها ثلاثون عاماً وقيمتها مليار يورو تقوم فرنسا بموجبها بتطوير وتشغيل متحف (اللوفر أبوظبي)، كما رافق افتتاح أعمال هذا المتحف، افتتاح فرع جامعة السوربون في أبوظبي بشكل رسمي وهو أول فرع لها خارج فرنسا.

يبدو أن الثقافة حاضرة جنباً إلى جنب مع السياسة، فالمخيلة الفرنسية لازالت تؤمن بهذا الأسلوب المزدوج، وهي بذلك تؤكد على حضورها الخارجي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لنا، هل سيشكل هذا الوجود العسكري عبئاً على المنطقة، أم إنه بالفعل مصدر أمن واطمئنان، نحن نؤمن بالثقافة وضرورة الانفتاح ورسائل التسامح التي تحملها.

ولكن صور الجنود والقواعد العسكرية يبعث برسائل ضمنية أخرى مفادها أن المنطقة لازالت مضطربة وتحفها الكثير من المخاطر، وهذا من شأنه يزيد من مؤشر عدم الثقة بين الأطراف التي تعيش في المنطقة.

متى سننظر إلى مصالحنا المشتركة عرباً وجيراناً، وننبذ الخلافات والشكوك والظنون، متى سنوظف السياسة مع الثقافة لتعزيز وجودنا مع الطرف الآخر من العالم، يبدو أن المسافات بعيدة وشاسعة، وعلى فكرة الكلام موجه للجميع بدون استثناء.

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com