معظم الدول الكبرى التي أرادت أن تهيمن على المنطقة وتستفيد من مواردها (موردها الوحيد والمؤقت هو النفط)، جاءتها إما من خلال بوابة العقود التجارية أو الصفقات العسكرية أو الاتفاقيات الأمنية.

إلا فرنسا كانت من الذكاء بحيث درست فيما يبدو نفسية أهالي المنطقة والنتائج العكسية التي قد تترتب عليها فيما لو اختارت واحدة من تلك الأساليب السابقة بهدف أن تجد لها موضع قدم في منطقة جذبت أنظار العالم بما تحتويه من امتيازات جغرافية واقتصادية واستراتيجية.

صحيح أن العلاقات الفرنسية مع المنطقة تعود إلى أيام اكتشاف النفط، وبالخصوص في أبوظبي عندما امتلكت شركة توتال الفرنسية مع غيرها من الشركات الأخرى، حصتها بنسبة 9 بالمائة من العمليات البرية، إلا أن الأمور ظلت على هذه الوتيرة بالرغم من بعض الاستثمارات الاقتصادية هنا وهناك، وبيع طائرات الأيرباص وبعض المنتجات الفرنسية المتنوعة، أو بعض الصفقات العسكرية.

لكن، فيما يبدو، لم تسمح الولايات المتحدة لأي من الدول الأخرى بالحلم الوردي بالخروج عن الخطوط الحمر التي رسمتها لتلك الدول في المنطقة أو التدخل في شؤونها. وقبلت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا بهذا العرف الضمني.

ولكن بامتعاض وغصة وكثير من الحنق. فدولة الإمارات بالذات لم تعد فيما أطلق عليها فيما بعد بالإمارات المتصالحة والتي كانت تعيش بالكاد على ما كان البحر يجود به عليها. وبسبب ندرة المياه والموارد الطبيعية، لم يكن للزراعة ولا للرعي ولا للصناعة حظ يذكر.

ولكن بعد اكتشاف الذهب الأسود تحولت هذه المنطقة إلى كنز مدفون في الرمال يحلم به كل صاحب حلم. ومنذ ذلك الوقت وفرنسا تحوم حول هذه الجوهرة السوداء ولكن مطبقة مثلها الشهير «ببطء ولكن بثقة»، إلى أن جاءتها الفرصة الذهبية، عندما تعقدت الأمور كثيرا للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة بالذات وفقدت المنطقة ثقتها بها عندما وجدتها غير قادرة حتى على حماية نفسها.

وأرادت فرنسا أن تقنع أهالي المنطقة بحركة في بالغ الذكاء، بأنها أهدافها شريفة، وجاءت أولا للتواصل الثقافي والأدبي والحضاري والعلمي، ولكن ذلك لا يمنع من عقد بعض الصفقات الجانبية في المقابل.

وكانت بداية الغيث توقيع اتفاقية إنشاء فرع لمتحف اللوفر في إمارة أبوظبي على جزيرة السعديات. ولم يصدق العالم الخبر؛ فكيف سمحت فرنسا لنفسها أن تغامر بواحد من أغلى متاحف العالم سمعة وشهرة في منطقة لم يعرف عنها إلا الاهتمام بالاستثمارات العقارية وبالنفط. ولتأكيد الخبر، قامت فرنسا مرة أخرى بهز العالم بقرار جديد يتلخص في إنشاء فرع لجامعة السوربون العريقة أيضا في إمارة أبوظبي وهذه المرة في جزيرة الريم.

وهنا جن جنون العالم: وهو جنون فيه نسبة كبيرة من الحسد والحقد والغيرة. فالكل يتمنى أن يكون لديه فرع لجامعة عمرها 750 عاما ولكن الكثيرين لا يعرفون حسابات فرنسا.

ولا يعلمون بأنها استطاعت أن تفهم بأن شعوب المنطقة ملت من كثرة البعوض الذي يمتص دمك ويؤلمك ثم يفر ليترك لك مهمة حك جلدك بنفسك متمنيا أن تقتله، وأدركت بأن شعوب المنطقة متعطشة ليس فقط لشركات التنقيب ولا للطائرات الحربية والمدافع ولكن أيضا للفنون والآداب والفكر منذ ما قبل النفط. فإذا ما ولى عصر النفط فسيظل استثمار الفكر والفن قائما ومتجددا. بالطبع لعبت حكمة المسؤولين في المنطقة وبعد نظرهم في إنجاح هذا النوع من التعاون.

وخرجت فرنسا من اتفاقيات اللوفر والسوربون باتفاقيات عسكرية ونووية. وجاء الرئيس الفرنسي ساركوزي في الأسبوع الماضي بنفسه على رأس وفد رفيع المستوى لتدشين وجهي العملة الفرنسية في إمارة أبو ظبي: اللوفر والقاعدة العسكرية. ولم يشعر أي من أهالي المنطقة بأي مرارة ولا استياء، بل بالترحيب.

وكأن الأمور كان يجب أن تكون كذلك. أما لو جاءت الزيارة بغرض عقد صفقات تجارية وعسكرية جافة، لطرح الأمر عدة تساؤلات وانتقادات بناء على تجربتنا مع الاستعمار القديم. ولا بد أن هذا الإنجاز الفرنسي أثار حفيظة وغيرة البعض. ولكن فات الأوان، والقطار الفرنسي السريع الذي يطلق عليه اختصارا (شاض) قد قطع مسافة لا يستهان بها في صحراء الجزيرة العربية، أمام ناظر مراقبي الطرق.. دون القدرة على إيقافه.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com