من يعد إلى صفحات تاريخ دبي وعلاقتها بالتجارة والتجار، في الزمن الغابر، وأيام كانت عبارة عن خور مائي بسيط وسفن خشبية صغيرة وقليل منها كبير، ومن يتصفح صور الأبيض والأسود لدبي ويحاول البحث كيف استطاعت هذه الإمارة التي لم ترزق بآبار من النفط والغاز تحت تربتها ان تصل إلى ما وصلت إليه وان تتحول إلى قبلة التجارة والتجار واقتصاد الشرق الأوسط.

وكيف أنها ارتبط اسمها بالبضائع والتصدير والتجار وعلاقتهم بها تبدو له الصورة واضحة، لماذا دبي هي اليوم قبلة التجار والاستثمار، ولماذا يفضلها الكثيرون، ويصرون عليها، ولماذا يؤمنون بها كمعبر لبضائعهم، وكمقر لتجارتهم..

في تلك الصفحات القديمة تبدو دبي كمدينة تتناثر على ساحلها حركة الناس والتجارة، بسيطة في بناها التحتية، دكاكين من طين، ومظلات من سعف النخيل، وسفن خشبية، وعتالون يحملون البضائع منها واليها، لكنها تفور بالحركة ونقل البضائع وعمليات التبادل التجاري، وهي نقطة التقاء تلك البضائع، ونقطة التقاء التجار الأجانب من الهند إلى البصرة ومن سواحل إيران إلى بقية بلدان الجزيرة العربية، ومن إفريقيا واليها..

من يقلب تلك الصفحات يدرك ان قاسما مشتركا، وأساسا متينا يربط ذلك الماضي بالحاضر الذي نعيشه فيها اليوم كنقطة التقاء المال والاستثمار وكمحطة انتقال البضائع من كل صوب وحدب.. العامل المشترك أو الاس الأساس في هذا التاريخ التجاري الحافل والمتنامي على الدوام، هو فكر القيادة فيها، الذي استوعب معطيات هذه البقعة من الأرض وتداول وتعامل معها بحكمة جذبت الخير لها ولأهلها ولكل من وطيء بقدمه ترابها أو مخرت سفينته عباب مياه موانئها.

فمنذ القدم أرست قيادات دبي على مر العقود من الزمن علاقة مميزة في تعاملاتها التجارية بين نظامها الاقتصادي وبين المتعاملين معه من مختلف بقاع العالم، وأسست حكمة القيادة أسلوباً راسخا في التعامل مع التجار الذي يأتون إليها، حيث منحتهم الثقة والأمان وسخرت لهم معطيات النجاح وبنت العلاقة على أساس التبادل الإيجابي بين الطرفين، حتى في ظل تلك الظروف البسيطة في بناها التحتية، لم تأل دبي جهدا في توفير ما يريح التاجر والمستثمر ومده بالعون والمساعدة، فأحبها التجار الأجانب والأغراب، بل فضلها اغلبهم على سواها ومنهم من نقل مقره الرئيسي من بلده إليها، حينما لمس ذلك الدفء في التعامل عند قيادتها وأهلها.

أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بعدم زيادة الرسوم الحكومية وخفض بعضها وخصوصا تلك التي لها علاقة بالاستثمار التجاري، في ظل ضغوط الأزمة المالية العالمية، هي واحدة من مفردات تلك الحكمة في الفكر الاقتصادي الذي تأسست عليه دبي كمدينة المال والأعمال، وهي دبي الاقتصادية التي كثيرا ما كانت إلى جانب المستثمرين والتجار، وهي مفردة من ذلك الدفء والأمان الذي شجع على قبولها من قبل التجار كمحطة يأتمنون فيها على أرزاقهم وتجارتهم..

هو المنهاج القديم، والأساس.. واذا كانت الفعاليات الاقتصادية تعبر اليوم عن غبطتها بهذا الأمر السامي، فإنها تعيد الصورة إلى تلك الملامح في تاريخ تعاملات دبي مع أجيالهم السابقة، ففي صفحات دبي عبر التاريخ محطات مشابهة، كانت فيها دبي وقيادتها تقف مع الأزمات موقف المعالج والمدبر، وتزيح كل ما من شأنه ان يقف في طريق المستثمرين..

لهذا تأسس اليوم وفي الواقع عبارة ان دبي قادرة على اجتياز هزة الاقتصاد العالمي لأنها تمتلك رصيدا من التعامل الحكيم مع الظروف غير المتوقعة.. وهو ليس جديدا على إمارة ضربت جذورها في صميم التجارة وهو أمر اختارته مستقبلها على الدوام.

mhalyan@albayan.ae