الجدل قائم على أشده في أسبانيا بشأن حدود التدخل القضائي لاستدعاء سبعة من المسؤولين الإسرائيليين ومحاكمتهم، تحت عنوان مكافحة جرائم الحرب دولياً. القضية بدأت في فبراير الماضي، بأن رفعت منظمات حقوق أسبانية وفلسطينية دعوى ضد هؤلاء المسؤولين أمام المحكمة المركزية في مدريد، بتهمة قتل مدنيين أبرياء أثناء عملية اغتيال صلاح شحادة قائد الجناح العسكري لحركة حماس في غزة قبل سبعة أعوام.
الفعلة الإسرائيلية تتوفر فيها أركان الجريمة الدولية وفقا للمواثيق والاتفاقات ذات الصلة، التي قبلت أسبانيا بأحكامها جميعاً.وعليه، رحب قاضي المحكمة الأسبانية فرناندو ألدرو بالدعوى وباشر التحقيق فيها.وهنا استشاطت إسرائيل غضباً، وقلبت كل حجر داخل أسبانيا وخارجها لثني القاضي الشجاع عن موقفه، ثم إخراج القضاء الأسباني من صورة ما يجري في فلسطين. وهي قدرت أن نجاحها في تحقيق هذا الهدف سيحبط القضاء الأوروبي برمته ويردعه عن الاحتذاء بهذا المثل.
القضية إذاً تنطوي على دلالات مستقبلية وتؤشر للآفاق التي قد يصل إليها القضاء الأوروبي (الدولي) في محاسبة إسرائيل على جرائمها في فلسطين وجوارها.
المنحازون لإسرائيل، طوعاً عن قناعة بسلوكها أو كرها تحت ضغوط متعددة المصادر، يفضلون النأي بمؤسساتهم القضائية، فيما يحتج آخرون على الصعيد الأوروبي العام، ومنهم القاضي الأسباني، بالتمسك بمبادئ العدل الإنساني ومكافحة جرائم الحرب وضرورة عزل القضاء عن الأهواء السياسية والإيديولوجية. بين يدي مشهد كهذا، يفترض أن تكون الكلمة العليا للمواثيق القانونية الدولية.
وهنا نلاحظ أن المشرع الدولي لم يدع مسألة إدانة سلوك دولة ما بحق البلاد والعباد، في دولة أو منطقة أخرى محتلة أو غير محتلة، لتقديرات وتخمينات هذا الطرف أو ذاك.. المشرع وضع معايير وأحكاماً صارمة وتفصيلية لما يخضع وما لا يخضع للمواثيق والقوانين الدولية لزمني السلم والحرب.
وزبدة المعايير هنا هي أولوية هذه المواثيق والقوانين وأسبقيتها على ما عداها في طول الخريطة الدولية وعرضها. وهكذا فإنه ليس للأوروبيين في أسبانيا وغيرها أن يجتهدوا في قضية اختصاص محاكمهم بملاحقة المتهمين بالجريمة الدولية من عدمه. وما يجري في أسبانيا يمتحن تجربتهم الحقوقية الدولية..
فإما أن يُعملوا ما صاغوه من مبادئ وقوانين وإما أن يكفوا أيديهم عن رؤوسنا التي صدعوها بأفلامهم وأقلامهم عن جرائم الحرب والمحكمة الجنائية الدولية واختصاصاتها العابرة للحدود والسيادات.
كاتب وأكاديمي فلسطيني