دخلنا المقهى وجلسنا، وعندما أتى وقت الطلبات لم يعرف صديقي اسم الشراب الدافئ الذي كان يشربه كل يوم، وبدأ يصف للنادلة شكله وحجمه إلى أن اهتدت إليه. طلبتُ منه أن ينظر في قائمة المشروبات ويحاول أن يعرف اسمه، فلم يستطع! طلبت منه أن يبذل جهده ويطابق المواصفات الذي ذكرها قبل قليل مع أنواع المشروبات الدافئة الأخرى المذكورة في القائمة...

وبعد جهد مضن توصل إلى اسمه ولكن بمساعدة خارجية. طلبت منه حينها أن يحفظ اسمه فرفض معللاً ذلك بأنه يستطيع أن يصفه في الغد لأي نادل، وسوف يأتي به، فكان سؤالي: لماذا؟ لماذا لا نسعى لمعرفة أسماء الأشياء أو الأشخاص أو المدن أو الأدوات أو أي شيء من حولنا؟

في اليوم التالي لتلك الواقعة، التقيت مع مجموعة من الأصدقاء وكان صديقنا ذلك بينهم، سألتهم عن اسم «الشوكولاتة» التي تأتي على شكل مثلث أو هرم، فلم ينجح أحد! ثم سألتهم عن اسم الشوكولاتة التي تكون عبارة عن كرات بداخلها بسكويت وكيسها لونه أحمر، فلم ينجح أحد أيضاً! أجزَم لي الجميع بأنهم يعشقون تلك الأنواع من الشوكولاتة وأنهم كانوا يتناولونها كل يوم في طفولتهم، ولكن أحداً منهم لم يستطع أن يعرف اسمها، وأقول هنا «يعرف» ولم أقل «يتذكر» فهم أصلاً لم يعرفوا اسمها يوماً.

لا شك وأننا نفتقر إلى ثقافة المعرفة في عالمنا العربي المتناثر الأطراف والعقول، ولكنني لم أستطع فهم أسباب جهلنا حتى للأشياء الجميلة التي نحبّها. فعندما نتحدث عن مكان جميل ويسألنا أحد عنه فإننا نضطر إلى قضاء نصف اليوم لنصف له أين يقع! أوليس بالأجدى لو أننا حفظنا اسم الشارع أو الحي الذي يقع فيه ذلك المكان؟ حاوَل أحدهم أن يصف لي مقهى في باريس، وبعد وقت طويل اكتشفت أن المقهى يقع على زاوية المدخل الرئيسي للحي اللاتيني، لم يعرف صديقي أن ذلك المكان يدعى بهذا الاسم أصلاً!

إن المعرفة حاجة أساسية من حاجات الإنسان وليست كمالية كما يتعامل معها كثير منا، فالمجتمعات تمر بثلاث مراحل حتى تصبح مجتمعات متقدمة. الأولى أن تكون المعرفة شيئاً مجهولاً كمجتمعات الدول الأفريقية الغارقة في الفقر والجوع، وهذه المجتمعات لا تعلم بأنها لا تعلم. والثانية أن تكون المعرفة ترفاً، «يقتنيها» نوعان من الناس، التجار حتى يزيّنوا بها مجالسهم وبيوتهم.

كما حصل في إبّان نهضة المجتمع الأندلسي أيام عبد الرحمن الناصر، أو طلاب العلم الذين يعرفون بأن هذا الترف سيقودهم بلا شك إلى ترف مادي في الحياة إن هم وظّفوا هذه المعرفة بالطريقة الصحية، وهذه المجتمعات تعلم بأنها لا تعلم. أما المرحلة الثالثة فهي أن تكون المعرفة حاجة أساسية، يطلبها الصغير والكبير، الغني والفقير، العاقل والمجنون، حيث أنها بالنسبة لأفراد هذه المجتمعات تعد مثل المأكل والملبس اللذان لا تكمل الحياة إلا بهما، وهنا يعرف المجتمع بأنّه يعرف.

في تقرير التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة تتصدر إسرائيل كالعادة دول العالم في الصرف على البحث والتطوير في قطاع التكنولوجيا، حيث تخصص له سنوياً نسبة 5,4% من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما لا توجد دولة عربية واحدة غير الكويت ضمن القائمة حيث تخصص سنوياً لأبحاث التكنولوجيا نسبة 2,0% من ناتجها المحلي، في قطاع هو من أكثر القطاعات حيوية في العالم كما أنه أحد ركائز اقتصاد المعرفة.

قد نعذر الدول العربية في عدم معرفتها لكيفية الاستفادة من مصاريف البحث والتطوير في القطاعات الأخرى التي تأتي أكلها بعد سنوات طويلة، وغالباً ما يشوب أبحاث تلك القطاعات التعقيدات العلمية التي تحتاج إلى بنية تحتية علمية وعقول خبيرة. أما قطاع التكنولوجيا فإنه من أكثر القطاعات وضوحاً للمعالم من حيث قيمة عائد الاستثمار عليه، فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد موظفي قطاع البحث والتطوير في شركة (نوكيا) للتكنولوجيا ما نسبته 35% من موظفي الشركة التي تستحوذ على ما نسبته 35% من حصة السوق العالمية في الهواتف النقّالة.

إن المعرفة لدى الدول المتقدمة قد تجاوزت مرحلة العلم إلى مرحلة الفلسفة، فالعلم كما يقول الكاتب المسرحي الشهير «أوسكار وايلد» هو ما نعرفه، أما الفلسفة هي ما لا نعرفه. ولذلك تجدهم في سعي دائم وحثيث للوصول إلى أبعد نقطة في الكون لمعرفة المزيد.

لا نريد أن نبلغ الفضاء حالياً، ولا نريد أن نخصص ميزانيات للبحث والتطوير كتلك التي تخصصها الدول المتجاوزة لحدود المعقول الذي ما زلنا نراوح فيه، ولكننا نريد أن نخصص ميزانيات للتوعية بأهمية المعرفة، ونريد أن ننزل المعرفة مكانتها الحقيقية، وأن يكون المثقف والمتعلم هما نبراس المجتمع إلى جانب الفنان والممثل، ولكي نصل إلى تلك الغاية فإنه علينا أن نتعلم كيف نفكّر أولاً حتى نتمكن على الأقل من معرفة أسماء الشوكولاتة التي نحبّها، فكما يقول نيتشه: «خير لك ألا تعرف شيئاً من أن تعرف نصف الحقيقة».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com