ثمة ما يستدعي التوقف طويلاً وملياً من قبل صناع القرار السياسي، وواضعي الاستراتيجيات الفلسطينيين والعرب على حد سواء. المعتدي المحتل، أصبح هو الطرف الذي يرفع اللاءات في وجه العرب والمجتمع الدولي، بينما يكتفي الضحية، بالمناشدة، ورفع الاعتراضات من أجل حذف بعض اللاءات الإسرائيلية.

رحمه الله الرئيس جمال عبد الناصر، الذي استطاع في القمة العربية بالخرطوم بعد حرب يونيو 1967، تحقيق إجماع عربي حول لاءات ثلاث مشهورة، قد أصبحت اليوم في طي النسيان، لا للتفاوض، لا للاعتراف، لا للصلح. كان العرب آنذاك قد اعتمدوا خيار القوة لتحرير الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وقد أكدوا ذلك عملياً عبر انطلاقة الثورة الفلسطينية، وعبر حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري على جبهة سيناء، وشكلت المقدمة الضرورية للإنجازات العسكرية التي تحققت خلال حرب تشرين 1973.

بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، وتبدل ظروف وأدوات وعوامل خوض الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، اعتمد العرب في قمتهم بالقاهرة في يونيو 1996، استراتيجية السلام كخيار استراتيجي، وكانوا قبل ذلك، قد كيفوا وضعهم العسكري والاقتصادي والاجتماعي مع هذه الاستراتيجية، خصوصاً بعد انطلاق مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر 1991.

منذ ذلك الوقت تحولت الجيوش العربية إلى قوات أمنية، لحراسة النظام العربي، وقوات حدودية لحماية حدود الدولة القطرية، فيما لم ينجح العرب ببناء قوة اقتصادية أو سياسية، تعوض غياب القوة العسكرية المتراجعة، لضمان فعاليتهم في تحقيق السلام، بما يؤدي إلى استرجاع ولو الحد الأدنى من حقوقهم.

وبتطور أوضاع المنطقة، واستمرار حالة الصراع، وفشل خيارات التسوية، أخذ العرب يفقدون القدرة على حماية حتى مصالح الدولة القطرية، واستقرارها، واتجهت غالبية الدول العربية للبحث خارج المنطقة عن مصادر الحماية، مما سمح للولايات المتحدة بأن تستبيح ديار العرب، وأن تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، إلى أن بدأت تفكر جدياً في إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط تحت عنوان «نحو شرق أوسط جديد»، بما يعيد ترتيب العلاقات في المنطقة، وحتى تغيير بعض الأنظمة لضمان تحقيق هيمنتها والاستحواذ على خيرات المنطقة بما يخدم مصالحها.

تبدلت المقامات، ففي حين خسر العرب الكثير من عناصر قوتهم، واصلت إسرائيل مراكمة عناصر قوتها، إلى أن أصبحت اليوم تؤهل نفسها كي تستعيد دور الدولة الإقليمية القوية، التي تتقدم لحماية العرب من الخطر الإيراني، طالما أن العرب غير قادرين على درء هذا الخطر الذي يجاهر به بعض الزعماء العرب وفي أحسن الأحوال يضعونه بموازاة الخطر الذي يمثله البرنامج النووي الإسرائيلي.

بل إن إسرائيل تقدم نفسها اليوم على أنها حامية حمى الإسلام والأمن العالميين، وبأنها الأكثر حرصاً على مصالح الآخرين، والأكثر استعداداً للعمل بكل الوسائل بما في ذلك وأساساً العمل العسكري لوقف البرنامج النووي الإيراني. ويا للعجب ومفارقات الزمان، فإسرائيل المحتلة، إسرائيل المعتدية، إسرائيل التي ترفض السلام مع الفلسطينيين والعرب، تقدم نفسها حامية عن سلام العرب، والعالم.

غابي اشكنازي، العسكري الأول في إسرائيل، ورئيس أركان جيشها، يستعجل الحرب ويبحث عنها، ويدير المناورات الواحدة تلو الأخرى، ويقدم النصح للولايات المتحدة، بأن الوسائل السلمية والسعي من أجل الحوار، لن يفيد إلا في إضاعة المزيد من الوقت. وربما يستشهد اشكنازي بالتجارب النووية والصاروخية التي أجرتها كوريا الشمالية مؤخراً، لإقناع الولايات المتحدة بضرورة إشعال الضوء الأخضر لشن الحرب اليوم قبل الغد.

ليست إسرائيل وحدها المسؤولة، وليس العجز العربي والتخلي عن خيارات القوة في إطار الخيارات المفتوحة هو المسؤول عما تنتظره المنطقة من حروب وفوضى، بل إن إيران أيضاً تتحمل المسؤولية ليس بسبب خيارها في امتلاك القوة، وإنما لأنها فشلت في تطمين جيرانها العرب، وكان بإمكانها أن تفعل في هذا الإطار أفضل مما فعلت وتفعل ويثير مخاوف العرب.

حتى وقت قريب وبفضل عوامل كثيرة من بينها أخطاء وخطايا السياسة العربية، نجحت الإدارة الأميركية في أن تجعل العراق، دولة إرهابية خطيرة، وعدواً اقتضى تجريد الجيوش والتحالفات من أجل مجابهته واحتلاله وإسقاط نظامه السياسي، واليوم تنجح الولايات المتحدة، وحلفاؤها، في تقديم إيران على أنها العدو الأخطر على استقرار وسلام وأمن المنطقة، وليس إسرائيل التي تحتل بلاد العرب وتصادر حقوقهم وترتكب الجرائم والمجازر بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

من هذا المقام، تعلو اللاءات الإسرائيلية حتى في وجه الولايات المتحدة، وبدون أن تشكل هذه اللاءات ما يكفي من الاستفزاز لكي تتحرك الإدارة الأميركية من أجل ضبط حليفتها المشاكسة، بالعكس فقد أرسل الكونغرس الأميركي لإدارة أوباما مؤخراً، مذكرة يؤكد فيها على عمق ومتانة التحالف والشراكة مع إسرائيل، بما يجعل إدارة أوباما تفكر في مسألة التكيف مع السياسة الإسرائيلية وفق الأولويات التي تطرحها الثانية.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، وفي يوم الأحد الماضي، أعلن نتنياهو تلخيصاً للاءاته حين قال لا لرؤية الدولتين، لا للعودة إلى حدود عام 1967، ولا لوقف الاستيطان. وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيغدور ليبرمان صاغ هذه اللاءات بلغة متهكمة، حين قال وكرر، بأنه لا يجوز مواصلة رفع الشعارات من قبيل الأرض مقابل السلام، ورؤية الدولتين، وحين قال إن الطريق إلى السلام مسدود، ولا مجال للالتزام بالأسس التي تم التوافق عليها في آنابوليس، وحين قال أيضاً إن العودة إلى حدود 1967 يعني نقل الصراع إلى داخل إسرائيل.

ليبرمان لا يتورع عن إظهار استهتاره واستهزائه بالعرب الذين يكن لهم حقداً أسود، فهو يرى بضرورة تطبيق نموذج قبرص على الموضوع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بمعنى أن تستوعب إسرائيل ثلاثمائة ألف مستوطن في الضفة بدون هؤلاء في القدس، مقابل أن تستوعب الأراضي المحتلة التي تديرها السلطة المليون ونصف المليون فلسطيني المقيمين على أرضهم في إسرائيل وذلك ترجمة لتحقيق هدف الدولة اليهودية النقية.

إسرائيل ترفع اللاءات في وجه العرب والعالم، فيما المفاوض الفلسطيني يكتفي بالمطالبة بوقف الاستيطان ورفع نحو ستمائة حاجز في الضفة الغربية أو بعضها، من أجل متابعة المفاوضات. هم في موقع من يفرض الشروط، ونحن في موقع من يطالب ويتوسل رفع بعض الشروط، وغداً سيجري تعميق هذه المعادلة باتجاه أن تفرض إسرائيل على العرب تحالفاً علنياً ومستتراً يدفعون بموجبه أثماناً أخرى كبيرة لقاء ما ستقوم به إسرائيل لحمايتهم من الخطر الإيراني أو لحمايتهم مما يسمى بخطر جماعات الإرهاب التي تؤرق ليل الزعماء العرب.

في الواقع ثمة خيارات، ولكن تغيب الإرادات، فمتى تصحو أمة العرب؟

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com