مع أن محكمة مقاطعة (بوداك) في ولاية كنتاكي الأميركية قد أدانت، في الحادي والعشرين من مايو الجاري، الجندي السابق بالجيش الأميركي، ستيفن غرين، بتهمة اغتصاب الفتاة العراقية عبير قاسم الجنابي، البالغة من العمر أربعة عشر عاماً، ثم قتلها مع أفراد عائلتها بمنطقة المحمودية جنوبي بغداد في العاشر من مارس عام 2006.

إلا أن المومأ إليه قد أفلت من عقوبة الإعدام بسبب عدم توصل قضاة المحكمة الفدرالية إلى اتفاق حول إنزال هذه العقوبة بحقه، فحكم بدلاً عن ذلك بالسجن المؤبد.

القضية تتلخص في قيام ستيفن غرين، مع أربعة من زملائه، بقتل والد الفتاة مع أمها وشقيقتها الصغرى، التي كانت تبلغ من العمر ستة أعوام، ومن ثم تناوبوا على اغتصابها وقتلها وحرق جثتها ومن ثم الإدعاء بأن مسلحين إرهابيين قد قاموا بذلك. وقد سبق وأن حكم زملاء غرين بالسجن لمدد مختلفة.

للاحتلال أساليبه في حماية جنوده، وله فلاسفته وعرابوه الذين لن يدخروا وسعاً في تجميل صورته، وهذا أمر طبيعي. إلا أن ما هو غير طبيعي أن ينبري بعض العراقيين ممن قدموا مع الاحتلال ومن المستفيدين منه إلى مشاركة المحتل في تضليل الرأي العام وقلب الحقائق. فمع دخول القوات الأميركية المحتلة انبرى هؤلاء المنتفعون، في توظيف قدراتهم لتبرير ما تقوم به هذه القوات من ممارسات شاذة.

فقالوا عن التعذيب الذي مارسته هذه القوات بمنهجية احترافية، في سجن أبو غريب، أنه إساءة معاملة، وقالوا عن جرائم القتل التي مارسها ويمارسها الجنود الأميركان في العراق، كإحدى الهوايات، بأنها أخطاء يرتكبها هؤلاء الجنود.

ما أبلغ هؤلاء !، فهم في فصاحتهم هذه!، يثرون المعجم العربي ببدائل فضفاضة يبدو فيها القبيح، أقل قبحاً، والسيئ، أقل سوءاً.

إلا أنهم التزموا الصمت حيال عمليات الاغتصاب التي مارستها القوات المحتلة، وهي كثيرة، كشفت عن بعضها لجنة حقوق الإنسان في العراق قبل أن يمضي شهران على سقوط العاصمة العراقية، وكشفت عنها منظمة هيومن رايت ووتش في تقريرها عام 2005، وكشفت عنها صحيفة الغارديان البريطانية التي أجرت مقابلة خاصة مع باحثة عراقية في هذا الشأن، وأسهمت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية في الكشف عن حالات أخرى، وأسهمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ذلك أيضاً.

مئات من النسوة العراقيات قد تعرضن للاغتصاب داخل المعتقلات وخارجها، وفق التقارير التي صدرت عن هذه المنظمات أو الصحف.

إلا أن هذا الصمت سرعان ما انكسر حين تسربت إلى وسائل الإعلام أخبار جريمة مروعة تمت في وضح النهار، أبطالها أربعة جنود أميركان وضحيتها عائلة عراقية فقيرة.

الجريمة واضحة المعالم لم تحدث كرد فعل آني لفعل ارتكبته هذه العائلة بحق أحد، وإنما باعتراف عدد من الجنود الذين شاركوا فيها، بأن أسبوعا من التخطيط والترصد قد سبق التنفيذ، كما أن أقارب الفتاة المغتصبة استمعوا من الفتاة نفسها، قبل وقوع الجريمة، عن التحرشات الكثيرة التي تعرضت لها وهي تمر كل يوم أمام نقطة التفتيش، حيث يقيم هؤلاء الجنود، ذاهبة إلى الحقل الذي تعمل فيه.

الحدث هز العراقيين ولم تستطع الجهات الرسمية أن تبقى صامتة، إذ لم يجد رئيس الوزراء العراقي أمامه إزاء الغضب العارم الذي عم العراق إلا الطلب من سلطات الاحتلال إلغاء قرار حصانة الجنود الأميركان والسماح للقضاء العراقي بتولي مهامه، حيث رفض الطلب فوراً من قبل مساعد وزيرة الخارجية الأميركية وليام بيرنز. وكانت سلطة الاحتلال، ممثلة بالحاكم المدني بول بريمر، قد أصدرت، قبل يوم واحد من تسليم السيادة !

رسمياً إلى العراقيين، في يونيو 2004، قراراً يمنح قواتها حصانة من القانون العراقي. وهي بذلك قد وفرت غطاء هاماً للسلوكيات المنحرفة التي يمارسها العديد من منتسبيها في العراق تحت مرآي ومسمع العراقيين الذين يتميزون غيظاً ويقفون عاجزين إزاءها. وفي محاولة أخرى لامتصاص الغضب الجماهيري أعلن العراق بأنه سيجري تحقيقاً منفصلاً، أو مشتركاً، مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي الذي يضطلع بالتحري في هذه القضية.

وسواء تم ذلك أم لم يتم، أكتمل أم لم يكتمل، فإن الصورة لم تتغير. حين اطلعت، لأول مرة، على ما حدث في ذلك اليوم البغيض لهذه العائلة التي ليس لها علاقة بملفات الدم من قريب أو بعيد، أعادتني الذاكرة إلى ستينات القرن المنصرم، حيث شاهدت، في إحدى صالات العرض في بغداد، فيلم سبارتاكوس، قائد ثورة العبيد، الذي قام بأداء دور البطولة فيه الممثل الأميركي كيرك دوغلاس. رست ذاكرتي على مشهدٍ من ذلك الفيلم، يتفق مع سياق الحدث في بعض الأوجه ويختلف عنه في أوجه أخرى.

المشهد هو وقوف قائد الجيش الروماني الذي أُرسل للقضاء على ثورة العبيد أسيراً ذليلاً أمام سبارتاكوس، وكان جنود هذا الجيش قد تعاقبوا على اغتصاب فتاتين من أتباع سبارتاكوس حتى توفيتا، وذلك قبل أن يُهزم هذا الجيش ويؤسر قائده.

في هذا المشهد يوجه سبارتاكوس الغاضب سؤالاً للقائد الأسير: هل كل نساء روما محصنات حتى يقوم جندكم باغتصاب فتياتنا؟، ثم يكسر عصا قيادة الأسير ويركبه دابته ويبعثه مهاناً إلى رؤسائه.

تساءلت في حينه، ما الذي سيكون رد الجنرال جورج كيسي القائد العام للقوات الأميركية في العراق، آنذاك، أو رد رئيسه، العربي الأصل، الجنرال جون أبو زيد، قائد القوات المركزية الأميركية، وقتذاك، لو أن مواطناً عراقياً مفجوعاً توجه إليهما بسؤال مماثل لسؤال سبارتاكوس؟.

ها قد مرت أكثر من ثلاث سنوات على وقوع تلك الجريمة والعراقيون يتابعون السيناريو الذي رسمته العدالة الأميركية، بدءاً من تسريح هذا الجندي من الخدمة العسكرية على أساس أنه غير مؤهل لأسباب عصبية أو نفسية كمقدمة لمثوله أمام محكمة مدنية، مروراً بإدانته بجميع التهم الموجهة إليه وعددها سبع عشرة تهمة، ووصولاً إلى إنقاذه من حكم الإعدام.

ولعل من الصدف الغريبة أن يتزامن قرار المحكمة الأميركية مع قرار محكمة عربية في قضية أخرى حظيت باهتمام الرأي العام على مستوى واسع، إلا أن حسمها لم يستغرق عدداً من السنوات. وإذ يستقبل ذوو الضحية، عبير الجنابي، والعراقيون الذين هزتهم بشاعة تلك الجريمة، قرار القضاة الأميركيين بمرارة وخيبة أمل، يستقبل ذوو الضحية، سوزان تميم، وجميع الباحثين عن العدالة، بإكبار وتقدير، قرار محكمة جنايات القاهرة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae