لا تنفصل التقديرات التي تعرضها أطراف معينة لعدد سكان منطقة ما عن الأهداف والنوازع السياسية أو الاقتصادية أو حتى الثقافية لهذه الأطراف. ويبدو أنه قُدر لمدينة القدس أن تخضع لهذه القاعدة منذ وقت مبكر..
في كتاب «نصارى القدس»، الصادر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية، نعثر على نموذج صارخ لتباين عدد سكان المدينة بحسب المصادر منذ منتصف القرن التاسع عشر.
فدفتر النفوس العثماني قدرهم عام 1849 بنحو 29 ألفا بينهم 24 ألف مسلم و4 آلاف نصراني وألف يهودي. هذا على حين كانت القنصلية الفرنسية قد أوردت في عام 1847 أرقاماً ارتفعت بعدد يهود القدس إلى عشرة آلاف مقابل عشرة آلاف مسيحي وخمسة وعشرين ألف مسلم.
للدهشة والمفارقة، ذكرت القنصلية الأميركية أن سكان القدس لعام 1887، أي بعد أربعين عاماً من الإحصاءات المذكورة، هم 10 آلاف مسلم و12 ألف مسيحي و25 ألف يهودي!. هذا أمر لا يصدقه عاقل بالطبع، لكنه يؤشر لما نعنيه بتسييس الإحصاءات.
بعيداً عن هذا التدجيل، لا يمكن مغالطة حقيقة أن الوجود المسيحي في فلسطين ومحيطها الحضاري كان محترماً من حيث الكم والوظيفة والدور. وأن مسيحيي الشرق لم يدخلوا دائرة القلق وعدم الاستقرار ولم تراودهم هواجس الهجرة إلا في عهود الاستعمار.
فأثناء الغزو الإفرنجي قديماً تعرضوا للمهانة والترويع شأنهم شأن مواطنيهم العرب المسلمين. ولم يغب هذا الدرس عن ذهن مسيحيي القدس، حتى أنهم قدموا المال لشراء الأسلحة استعداداً لمواجهة الحملة الفرنسية (1798 ـ 1801). وفي تجربة أقرب لم تفلح أسافين الفتنة في ثنيهم عن الاستعصام بعروبة فلسطين والقدس إبان الانتداب البريطاني.
ويذكر هنا أن ثلث أعضاء النخبة السياسية المتنفذة بفلسطين بين عامي 1918و1948 كانوا من المسيحيين، وهم الذي لم تزد نسبتهم العددية وقتذاك عن خمس الفلسطينيين.
ومن المعلوم أن الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة تزخر في صفوفها الأولى بالقادة المسيحيين. ينبغي الاعتراف بأن المشروع الصهيوني، بما اشاعة من الخوف والتعصب الديني وتغطية وجه القدس ومحيطها بالعنف والدماء، أزعج القطاعات المسيحية، وساقها للبحث عن ملاذات آمنة أكثر بنظرها عبر الهجرة إلى عوالم الغرب.
وبالتداعي عجفت أعداد مسيحيي القدس إلى 2% فقط حاليا. حقيقة كهذه تكفي لإقناع العقلاء بأن القدس ستفقد دورها الروحي التسامحي التعايشي الإنسانوي، إن هي ظلت مختطفة صهيونياً.