تأييد الاتحاد الأوروبي لمبادرة روسيا بعقد مؤتمر دولي في موسكو مكرس لتسوية أزمة الشرق الأوسط ربما كان البند الوحيد على جدول أعمال القمة الروسية ـ الأوروبية الذي حظي بتأييد الدول الأوروبية، وبدون مناقشات صعبة أو مطولة.
فيما واجه ملفا الطاقة والأمن حوارات صعبة لم تحقق تقاربا ملموسا في وجهات النظر، وكان واضحا منذ فترة أن القارة الأوروبية تشعر بالقلق من التوترات التي تشهدها العلاقات الروسية ـ الأوكرانية والتي تهدد استقرار إمداد المستهلك الأوروبي بالغاز، ما دفع أوروبا للبحث عن بدائل للغاز الروسي، وتحركات الشركات الغربية بنشاط لإحياء مشروع خط أنابيب نقل الغاز ( ناباكو)، لتصل إلى منابع الغاز في وسط آسيا خارج الأراضي الروسية.
المشكلة أن القارة الأوروبية لم تحاول البحث عن لغة تفاهم مشتركة مع روسيا تصل من خلالها إلى صيغة تضمن مصالحها وتحترم مصالح روسيا، خاصة أن موسكو لا تسعى سوى لتحقيق مصالحها في تسويق منتجاتها وفق قوانين السوق العالمي دون الخضوع لأي شروط أو مساومات على حقوقها، وأزمات توريد الغاز لا ذنب لروسيا فيها بل أن أوكرانيا هي المسؤولة عنها بشهادة الأوروبيين أنفسهم.
وبالرغم من المساعي الأخيرة لرآب الصدع في العلاقات الروسية ـ الأوروبية، بعد التوتر الناجم عن اشتعال حرب القوقاز التي حاولت جورجيا فيها تدمير إقليميي آوسيتيا الجنوبية وابخازيا. واضطرت روسيا للتدخل لحماية مواطنيها وسكان الإقليمين. فيبدو أن هذه المساعي مازالت تواجه عقبات.
فقد حاولت موسكو في قمة الاتحاد الأوروبي ـ روسيا الأخيرة أن ترسى أسسا لضمان أمن الطاقة بما يضمن مصالحها ومصالح المستهلكين، وقد دعا الرئيس ميدفيدف إلى إعداد اتفاقيات جديدة لضمان مصالح كل الأطراف الثلاثة المؤثرة على التعاملات في أسواق الطاقة - المنتجون والمستهلكون وما يسمى بدول الترانزيت.
موضحا أن ميثاق الطاقة الأوروبي الحالي يعكس مصالح المستهلكين قبل غيرهم بالدرجة الأولى. وأكد على ضرورة العمل من أجل أن يتطور التعاون في مجال الطاقة بصورة حضارية، مشيرا إلى أن روسيا ستواصل بذل الجهود من أجل إنشاء أشكال قانونية للتعاون في هذا المجال.
كما شدد ميدفيديف على ضرورة السعي لمنع وقوع أزمات. إلا أن دعوات موسكو استقبلتها بعض الأطراف الغربية بطلب ضمانات لانتظام توريد الطاقة.
وكأن روسيا تملك نفوذ على القرار الأوكراني الذي يتحكم في توصيل الغاز لأوروبا.بل أن بعض الدول الأوروبية اعتبرت أن روسيا تتحمل مسؤولية حصولها على احتياجاتها دون مراعاة أن الجانب الأوكراني والذي يتحرك وفق أجندة غربية أميركية لمواجهة روسيا والضغط عليها قادر على إيقاف مرور الغاز عبر أراضيها. بعبارة أخرى بدأت حالة من العبث في التعامل مع مسؤوليات روسيا الخاصة بتأمين الطاقة لأوروبا.
وفيما يخص ملف الأمن الأوروبي والذي تقدمت روسيا بمبادرة للتعامل معه بجدية، تتضمن هذه المبادرة عقد معاهدة إقليمية تستند إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتوضح معنى عامل القوة في العلاقات ضمن المجتمع الأوروبي - الأطلسي.
كما تتضمن هذه المعاهدة الجديدة التي اقترح صياغتها،آليات رقابة على التسلح والبناء العسكري ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات غير الشرعية. ومازال المقترح الروسي معلقا ولا تجرى آية مناقشات أو حوارات لبحث إمكانية تنفيذه.
يجري ذلك في ظل انتهاء معاهدة التعاون والشراكة بين روسيا وأوروبا منذ عامين وعدم حرص الاتحاد الأوروبي على تجديدها أو عقد معاهدة جديدة. ولاشك أن مجمل السياسات الأوروبية باتت تعبر عن موقف سلبي يجب أن تتعامل موسكو معه بجدية لحماية مصالحها ومصالح الشركات الروسية التي تصل استثماراتها في القارة الأوروبية لعشرات المليارات من الدولارات.
وإذا كان الأوروبيون لا يرغبون في التعامل مع الواقع بالتنسيق مع موسكو لحماية مصالحهم واحترام مصالح روسيا، فلا مفر من أن تبحث روسيا عن سبل منفردة لتحقيق مصالحها التي يتجاهلها عدد من العواصم الغربية.
كاتبة روسية