بوتيرة شبه يومية، تتوالى التسريبات عن مصادر إسرائيلية استخبارية وسياسية وإعلامية، التي تنذر بتصاعد احتمال توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية. وبالتوازي مع التحليلات النظرية والسجالات بين المؤيدين والمتحفظين، يقوم الجيش الإسرائيلي بتحركات تُفهم على إنها استعدادات وتدريبات نهائية على ضربة وشيكة.
عمليات تسخين الأجواء وتكثيف المناورات بلغت أوجها بأن نشرت صحف إسرائيلية بيانات تفصيلية عن عدد الطائرات والصواريخ ونوعيتها، التي ستشارك في الهجوم.. وتسمية الأهداف الإيرانية المرشحة للتصفية!. تبدو هذه الترتيبات مثيرة للارتباك بسبب إفراطها في العلنية، وهي التي تتعلق بعمل يفترض أن نجاحه مرهون بالمفاجأة والسرية.
أحد مفاتيح تحري صدقية ما يجري إسرائيلياً وحدود تطبيقه هو تحسس موقف واشنطن منه. عند هذه النقطة التي لا تعد قضية هامشية ينبغي أن تهدأ ثائرة المهتاجين؛ المتوجسين بفعل الأنباء التي ترد من إسرائيل.. لأن واشنطن لم تعط شارة خضراء للضربة ولا أمل في أن تفعل ذلك قريباً.
فالمسؤولون الأميركيون من الرئيس فما دون، أبلغوا نظراءهم الإسرائيليين وفي طليعتهم رئيس الوزراء المتنمر نتانياهو بأن واشنطن لا ترغب في إجراء عسكري ضد إيران، لا من جانبها ولا بالمشاركة معهم. وأنها لا تنتظر أية مباغتة إسرائيلية في هذا الإطار.
رب مجادلين هنا بأن إسرائيل المتمردة؛ العاصية، قد لا تصغي لرغبة «المعلم الأميركي» بخصوص ما تعتبره خطراً يتربص بوجودها.. وان فريقاً إسرائيلياً متنفذاً ينادي بعدم إيداع تقدير أفق هذا الخطر وكيفية التعامل معه ومعالجته في الحال والاستقبال لقرار طرف خارجي حتى لو كان واشنطن. لهؤلاء ندفع بأن صانع القرار الإسرائيلي لا يملك في هذه القضية ترف تعدد الخيارات، بل هو بصدد املاءات أميركية صريحة عليه أن يحسب لمخالفتها ألف حساب.
تعزيزاً لهذا التقدير، لنتذكر أنه لم يسبق لإسرائيل أن بادرت بإطلاق النار أو شنت معركة أو استهدفت موقعاً أو حتى شخصية قيادية معادية ذات ثقل وحيثية، بدون تشاور أو تنسيق مسبق مع واشنطن..
فكيف الأمر بمبادرة عسكرية ضد إيران، قد تشعل حرباً ضروساً، ويترتب عليها تبعات جسيمة في رحاب منطقة شديدة الحساسية للمصالح الأميركية بكل المعاني الإستراتيجية؟!. والحال كذلك، لماذا تنشر إسرائيل رسائلها وتهديداتها وسيناريوهاتها الإيرانية بهذا التبجح؟ ما الشيء أو الهدف الذي تود تل أبيب مساومة واشنطن أو حتى ابتزازها عليه مقابل السمع والطاعة في الملف النووي الإيراني؟!.