بالرغم من ان الجهود الروسية تتواصل لتوفير الظروف اللازمة لاستئناف عملية التفاوض السلمي حول الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن هذه الجهود تواجه مختلف أنواع العقبات التي تستهدف إفشالها وعدم إتاحة المجال لتفعيل الدور الروسي في التسوية السلمية بالمنطقة، وذلك بسبب قناعة بعض الأطراف الدولية بأن التجاوب مع الجهود الروسية سيمكن موسكو من استعادة نفوذها في الشرق الأوسط.
وتخطئ هذه الأطراف عندما تنطلق من قناعة بأن نفوذ روسيا اليوم في هذا الإقليم ضعيف أو محدود، ولعل كثرة الزيارات العربية إلى موسكو ولقاءات القيادة الروسية مع كل القادة العرب يعبر عن حرص موسكو والعواصم العربية على التعاون والتنسيق والتشاور.
ومما لاشك فيه أن مساعي البعض لإفشال مشروع روسيا بعقد مؤتمر دولي في موسكو لبحث محاور التسوية السلمية في الشرق الأوسط، لكي يكون انطلاقة جديدة للمفاوضات السلمية بين أطراف النزاع، لا شك أن هذه المساعي ما زالت عاجزة عن تحقيق نجاحات. مع الأخذ بعين الاعتبار أن معيار نجاح موسكو ليس في تحديد موعد المؤتمر وعقده كيفما اتفق، وإنما نجاح جهود الدبلوماسية الروسية يتمثل في إقناع الأطراف الدولية بأنه لا بديل عن التسوية الشاملة التي تنطلق على كافة المسارات لتسوية أزمة الشرق الأوسط.
وما أن تمكنت موسكو من حشد الجهود الدولية نحو هذا الهدف فستصبح مسألة تحديد المؤتمر وانعقاده قضية ثانوية شكلية، طالما توفرت القناعة بأهمية التسوية الشاملة.
وفي هذا السياق سنجد أن الدبلوماسية الروسية تحقق خطوات هامة، حيث نجحت في استقطاب الاتحاد الأوروبي إلى تأييد مبادرتها لعقد مؤتمر دولي خاص بالشرق الأوسط في موسكو. كما أعرب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون عن ترحيبه بفكرة عقد مؤتمر موسكو حول الشرق الأوسط. وأكد بان كي مون، على أهمية اللقاءات المرتقبة بواشنطن بين الرئيس الأميركي وممثلي القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية.
وكذلك اجتماعات اللجنة الرباعية، والمشاورات بين هذه الأطراف والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، ودعا إلى ضرورة أن تبذل كافة الأطراف المعنية المزيد من الجهود من أجل دعم استمرار عملية المفاوضات السلمية.وسيقوم وزير الخارجية الروسية سيرجى لا فروف خلال الأسابيع القادمة بزيارة إلى سوريا ولبنان، كما سيشارك في اجتماع وزراء خارجية البلدان الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وسيعقد على هامش الدورة لقاءات ثنائية مع الأمين العام للمنظمة أكمل الدين إحسان أوغلي، وعدد من وزراء خارجية البلدان الإسلامية.
وذلك في إطار جهود روسيا لحشد تأييد عالمي لانعقاد مؤتمر موسكو المكرس لأزمة الشرق الأوسط وفق الأسس التي تعتقد روسيا بأنها السبيل لحل الأزمة. وتعكس نشاطات الدبلوماسية الروسية عن أن موسكو تواصل مساعيها لاستبدال المفاوضات المنفردة كسبيل لتسوية أزمة الشرق الأوسط بالمفاوضات متعددة الأطراف التي تعتمد مبدأ التسوية الشاملة على كافة المسارات، وهو ما يختلف شكلاً ومضموناً عن مساعي الغرب واجتماع أنابوليس.
وهذا لا يعني أن موسكو تقيم سلبيا اجتماع أنابوليس والجهود الأميركية، على العكس تماما، أن روسيا تستفيد من تجارب الآخرين وتضع الحلول لتجنب الثغرات. والفشل الذي لمسناه في عدم تنفيذ مقررات اجتماع أنابوليس يطرح وبجدية أهمية الرؤية الروسية وواقعيتها في التعامل مع أزمة الشرق الأوسط.
ومنذ أيام جدد ألكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية تصميم روسيا باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن ولجنة الوسطاء الدوليين الرباعية للتسوية في الشرق الأوسط،على دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة قائمة بذاتها على كامل ترابها الوطني لتعيش في أمن وسلام مع إسرائيل، وذلك من خلال إسهام موسكو في إيجاد تسوية شاملة وعادلة لنزاع الشرق الأوسط.
ولعل جهود روسيا تعبر بشكل ملموس عن جدية سياساتها لتحقيق الأمن والاستقرار وتكشف عن جوهر سياساتها التي تقوم على احترام حقوق الآخرين. يبقى فقط أن يمنح الأطراف في الشرق الأوسط ثقتهم ودعمهم للدور الروسي، خاصة العرب الذين هم في حاجة كبيرة لهذا الدور في مواجهة الانحياز الأميركي القوي لإسرائيل.
كاتب روسي