العالم هذه الأيام مشغول بامتحانين: امتحان نهاية العام الدراسي. وامتحان نهاية الدول العظمى. وبين الامتحانين عدة قواسم مشتركة: القاسم المشترك الأول: هو تحكم شخص واحد بمصير مجموعة من بني البشر، فالمدرس مثلا يستطيع بجرة قلم أحمر أن يلغي سنة كاملة من عمر الطالب.
وكنا نسمع كثيرا عندما كنا في السنوات الأولى من الدراسة الجامعية جملة: (الدكتور دكتاتور). والحقيقة أن العديد من الطلاب (والأساتذة) حتى في عصر الفضاء ما زالوا يعتقدون بهذا المثل الشائع.
وأتذكر أن أحد طلابي في الجامعة جاءني في نهاية العام الدراسي وهو في حالة يرثى لها، متشكيا من أن الأستاذ الفلاني قد اتخذ منه موقفا سلبيا منذ بداية العام الدراسي وبدأ بظلمه في درجاته والاستهزاء به أمام زملائه رغم شهادة باقي الأساتذة على تفوقه العلمي وحسن أخلاقه حتى تسبب في رسوبه في المادة.
والسبب أن الطالب المغلوب على أمره وفي أثناء شرح المدرس لأحدى المسائل العلمية أبدى رأيا آخر على نتيجة حسابية أو كيميائية، لا أتذكر. إلا أن الأستاذ بدلا من مراجعة نفسه والاعتراف بالخطأ والإشادة بحماس الطالب أصر على رأيه وعنف الطالب ووصفه بكل الصفات غير اللائقة. ومثل هذه الأمثلة كثيرة في مجال التدريس بشتى أنواعه وفي كل الدول حتى المتحضرة منها.
وينطبق الأمر على العلاقة بين الدول العظمى والدول غير العظمى. فيكفي لدولة من الدول الصغيرة النامية أن تدافع عن مصالحها أو تعتنق مبدءا مغايرا حتى توضع في دائرة الترصد الحمراء ومحاربتها واتهامها بشتى الاتهامات غير الصحيحة. ولا أقرب مثلا على ذلك من الضغوطات التي مورست ومازالت من قبل الولايات المتحدة الأميركية على كوبا منذ اختيارها النظام الشيوعي.
ولا ننسى الموقف الأميركي من فرنسا (التي تعتبر واحدة من أهم الدول المتحالفة مع أميركا على مر التاريخ) عندما رفضت الدخول في تحالف عسكري هجومي على العراق لعدم قناعتها بالقضية من أساسها ولمصالحها في المنطقة. فتحولت فرنسا في أقل من عشرين دقيقة في نظر الأميركيين إلى دولة معادية ومؤيدة للإرهاب وناكرة للجميل ودولة لا تفهم إلا صناعة الروكفور،.
وهو الجبن الفرنسي الشهير بالعفن الأزرق (مع أنه من ألذ الأجبان الفرنسية وأغلاها)، ونسي الشعب الأميركي أنه من أكثر الشعوب استهلاكا للمنتجات الفرنسية وخاصة الأجبان الفاسدة! فهذا التصرف من دولة عظمى كالولايات المتحدة مع دولة صديقة يشبه إلى حد كبير تصرف الأستاذ مع طالبه الذي خالفه الرأي ولو لمرة واحدة. وهو امتحان صعب في تقييم الطرفين.
القاسم المشترك الثاني: هو اعتقاد المدرس بأنه أكثر فهما وعلما من تلميذه وبالتالي لا بد من أن ينصب نفسه وليا عليه، وتصور رؤساء الدول العظمى بأن الدول غير العظمى التي هي دونها لا تفقه شيئا في تسيير أمورها ولا في حفظ أبجديات سياساتها الاقتصادية ولا بد بالنتيجة من توكيل ولي أمر يقوم على أمورها.
بالنسبة للطرف الأول، الأستاذ، نلاحظ أنه نادرا ما توجد علاقة تفاهم بينه وبين الطرف الثاني الذي يمثله التلميذ، بعكس ما كان يحصل في العصور القديمة في المدارس الإغريقية ثم الإسلامية، حيث يجلس المعلم وتلامذته على حصيرة واحدة ويتم تبادل الرأي والمناقشة حتى يتم التوصل إلى نتيجة مفيدة للجميع.
وبفضل ذلك أنتج لنا هؤلاء عباقرة في شتى مجالات العلوم الإنسانية والعلمية المختلفة. ولم نسمع يوما أن أفلاطون أو أرسطو أو سقراط تحدثوا مع تلامذتهم من برج عاجي. واستفاد اليونانيون إلى يومنا هذا من مدارس أخلاق الفلاسفة المتعددة، لذا نجد أن اليونان مثلا دولة يتعامل فيها ساستها مع الدول الأخرى أو مع شعبها بحكمة وتواضع نادرا ما نجدها لدى شعوب لم تتعلم ولم تفقه الفلسفة.
وربما لهذا السبب نجد أن اليونانيين من أقل الشعوب تدخلا في شؤون دول أخرى أو دخولا في حروب مع دول أخرى. وكانت الحكمة هي التي جنبتها الدخول في صراعات مسلحة مع أشد جيرانها سلطة، تركيا مثلا، إلى أن استطاعت بفضل تلك السياسة حل كافة المسائل المعلقة فيما بينهما.
بينما نجد أن بعض الدول التي تطلق على نفسها عظمى، اعتمادا على ترسانتها من السلاح الفتاك بكافة أنواعه، أصبحت تتدخل حتى بدون استئذان وبشكل فاضح ومرفوض حتى في أصغر شؤون الآخرين، ونصبت نفسها ولية عليها باعتبار أنها دول ما زالت قاصرة، كفرنسا على لبنان وبعض دول افريقيا، وأميركا على الخليج وكوريا وروسيا على الدول التي تدخل في دائرة حلفائها، ولكن بشكل أكثر خجلا.
القاسم المشترك الثالث: هو من جهة، بدء انحسار تسلط الأستاذ على الطالب في المؤسسات التعليمية وضعف سلطاته التي كانت مطلقة في السابق في تحديد مصير طالب في نهاية العام الدراسي حتى ولو كانت جميع إجاباته صحيحة مئة بالمئة، ومن جهة أخرى بدء انحسار تسلط الدول العظمى على الدول الضعيفة في العلاقات الدولية.
أما الأمر الأول فهو عائد إلى عدة أسباب منها انتشار ثقافة الدفاع عن النفس من خلال الانترنت بين الشباب، وارتفاع نسبة التحصيل العلمي لديهم، وتطبيق نظام الاختيار الحر بين المواد الدراسية المطروحة، وبالتالي تضاعف عدد الطلاب الذين لا يترددون لحظة واحدة عن مواجهة الأستاذ بآرائهم وأفكارهم الخاصة والدفاع عنها مهما كلفهم ذلك، مع وجود رقابة إدارية صارمة خاصة في المدارس والجامعات الخاصة المنتشرة كبديل للجامعات الحكومية المتعثرة.
فلم يعد الأستاذ من يفرض رأيه بل الطالب، لأنه هو الذي أصبح يختار ويدفع راتب المدرس وليس المؤسسات الحكومية، وبالتالي هو من يستطيع أن يجبر الإدارة على الاستغناء عنه إن هو أضر بإيراداتها. ولعبت الأزمة الاقتصادية دورا لا بأس به في صالح الطالب المستضعف إلى درجة أن العديد من الأساتذة أصبح صديقا للطالب رغما عنه وليس تمثلا بأئمة وفلاسفة المسلمين والإغريق من قبلهم.
وكذلك حصل بالنسبة للدول المستضعفة التي أصبح أمامها اليوم عدة خيارات حرة. فالولايات المتحدة الأميركية ومعها أوروبا الغربية مجتمعة بعد انحسار نفوذها العسكري في العالم وبعد هزائمها الحربية المتكررة وتراجعها أمام شرذمة من المقاتلين الأفغان والعراقيين وبعد الضربات الاقتصادية الموجعة والمتلاحقة التي تلقتها تحت الحزام، أثبتت للعالم بأنها غير قادرة على مواجهة لا الضعفاء ولا المستضعفين.
وأفاق العالم الثالث والنامي على حقيقة واحدة لا ثاني لها: وهي أنهم أصبحوا في موقع لم يحلموا به من قبل. واكتشفوا بعد فوات الأوان بأن البعبع الغربي يحاول اليوم يائسا أن ينقذ نفسه قبل غيره من الغرق وأنه لم يعد لديه الوقت الكافي لكي يتفرد بتلميذه بعد أن أصبح يواجه أزمتين في آن واحد: الأزمات الاقتصادية المتلاحقة دون معين وأزمة إنفلونزا الخنازير. ووجد التلميذ الذي تعدى سن البلوغ منذ زمن طويل نفسه لأول مرة أمام فرصة اختيار شريكة حياته دون تدخل ولي أمره.
إنه آخر المطاف وبداية المطاف. فهل سيستغل الطالب في المرحلتين: المدرسية والسياسية فرصة بداية انحسار عهد التسلط؟
جامعة الإمارات