بدلاً من أن يعلن بنيامين نتانياهو قبوله بدولتين بعد مقابلته للرئيس أوباما يوم الاثنين الماضي، صرح مجدداً بضرورة الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وأعاد الأمور بذلك إلى المربع الأول.

يبدو أن الطلب الإسرائيلي الملح خلال العامين الماضيين الهادف لاعتراف الجانب الفلسطيني والعربي والدولي بأن إسرائيل دولة يهودية، لم يعد مطلباً أيديولوجياً فقط وإنما أيضاً مطلباً سياسياً له الأولوية في السياسة الإسرائيلية، ووسيلة مخادعة لأخذ شرعية فلسطينية وعربية ودولية والالتفاف على حق العرب (داخل الخط الأخضر) بالمواطنة وحق الفلسطينيين في الشتات بالعودة لفلسطين، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وترحيل أولئك وإبقاء هؤلاء خارج بلادهم إلى الأبد بل توطينهم حيث هم.

طُرحت فكرة الدولة اليهودية في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في (بال) في سويسرا عام 1897، وكان هدفها في ذلك الوقت تعميق مفهوم الصهيونية وأيديولوجيتها، وتشجيع اليهود في مختلف أنحاء العالم على الهجرة إلى (دولتهم المقبلة، دولة اليهود) وإعطاء الحق لهذه الدولة بعد قيامها برعاية شؤون اليهود في أي بلد في العالم باعتبارهم رعايا محتملين لها، ورأى مؤتمر بال في حينه أن تحقيق قيام الدولة اليهودية والاعتراف بها على هذا الأساس يعفيها من الالتزام بمعايير الدولة الحديثة وخاصة معيار (المواطنة) ويحل التعاليم التلمودية محلها، ويتيح لليهود أن يطردوا السكان غير اليهود منها، للحفاظ على (نقائها).

ولعل شعارهم المضلل الذي قال أن فلسطين أرض بلا شعب لم يكن سوى مقدمة لتبرير طرد الفلسطينيين مستقبلاً وإبقاء البلاد لليهود فقط، وهذا ما حاولت العصابات اليهودية المسلحة فيما بعد (بعد قيام إسرائيل) أن تطبقه على حيز الواقع من خلال ارتكاب المجازر مثل مجزرة دير ياسين وغيرها التي كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى إجبار الفلسطينيين على الرحيل.

بعد توافقات مؤتمر مدريد (1991) وخاصة شعاره الشهير (الأرض مقابل السلام) وبعد اتفاقيات أوسلو (1993) بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وبعد أن طرح العرب مبادرتهم السلمية عام (2002) في مؤتمر القمة في بيروت، شعرت الأوساط السياسية الإسرائيلية أن مبررات رفضها لمشاريع السلام أصبحت متهافتة.

وان إمكانية فرض السلام عليها أصبحت احتمالاً ممكناً، وأدركت أن أي سلام سيبقي خمس سكان إسرائيل من العرب بحكم الواقع والقانون مواطنين إسرائيليين مقيمين فيها، آخذين بالاعتبار ازدياد أعدادهم المتسارع قياساً إلى أعداد اليهود، ولذلك فإن احترام معيار (المواطنة) أو (الدولة لكل مواطنيها) سوف يجعل هذه الدولة تؤول للعرب خلال نصف قرن أو حول ذلك.

خاصة وأن أنهار الهجرة اليهودية إلى إسرائيل قد جفت من معظم دول العالم أو أوشكت أن تجف، وكان الذعر بادياً على المشاركين في مؤتمرات (هرتزليا) السنوية من هذا الاحتمال القريب جداً من الواقع.

ولذلك اتخذ الكنيست الإسرائيلي قراراً في شهر يوليو (2003) يقضي بتعميق فكرة يهودية الدولة وتسريع الإجراءات المناسبة لإنجاحها، وتبنت الحكومات الإسرائيلية المتتابعة بعدها قرارات عديدة لتحقيق هذا الهدف، منها التضييق على العرب داخل الخط الأخضر (عدم إعطائهم رخصاً لبناء بيوت جديدة، تأخير تصديق المخططات الجديدة لقراهم ومدنهم، منعهم بمختلف السبل من تولي الوظائف المتناسبة مع إمكانياتهم، تهديدهم بالترحيل، اقتراح مشاريع تبادل الأراضي مثل تبادل المثلث مع المستوطنات، وغيرها من فنون الاضطهاد والتعذيب وهضم الحقوق) إضافة إلى الرفض المطلق لبحث قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين أو الاعتراف بحقهم بالعودة.

واعتبار أن هذه القضية (التي تتعلق بستة ملايين فلسطيني) لا شأن لإسرائيل بها، وكأن لا علاقة لها بتهجيرهم من بلدهم واغتصابه. وتكثفت المحاولات الإسرائيلية لانتزاع الاعتراف بيهودية الدولة في العام الماضي، بتأييد من مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية (وهذا لم يكن يحصل قبلاً) وطرحتها حكومة إيهود أولمرت على رأس مهماتها، واستطاعت إقناع الرئيس جورج بوش بها والتأكيد عليها.

وحاولت إقرار ذلك في مؤتمر (آنا بوليس) وفشلت، وهاهو بنيامين نتانياهو يطرح الفكرة مجدداً مشترطاً اعتراف الطرف الفلسطيني مسبقاً بها، قبل أي تواصل أو استئناف المفاوضات معه، وأكد ذلك أمام جورج ميتشيل مبعوث الرئيس الأميركي ليظهر أولوية المقترح على أي حل، دون أن يقدم بديلاً (أو ثمناً) للجانب الفلسطيني.

وكان موقفاً صلفاً ووقحاً إلى مدى بعيد، حيث لم يكتف برفض المفاوضات السياسية واستبدل بها المفاوضات الاقتصادية فحسب، وإنما أيضاً طرح شرطاً جديداً يهدف إلى انتزاع موافقة فلسطينية على ترحيل العرب من داخل الخط الأخضر من جهة وإلغاء حق العودة من جهة أخرى، أي إقامة إسرائيل جديدة، ببنية مختلفة وشروط صهيونية قديمة جديدة، على رأسها نقاء الدولة، وبما يؤكد أن هلوسات أفيغدور ليبرمان تلقى ترحيباً لدى نتانياهو وحكومته وأنها ليست غريبة عن التوجه السياسي الإسرائيلي الجديد الذي يتصف بمزيد من التطرف والعنصرية.

بالمحصلة، ليست نظرية يهودية الدولة مجرد شعار أيديولوجي يمكن أن يطرح كهدف بعيد المدى لعشرات السنين القادمة كما هو شأن الأهداف الأيديولوجية عادة وقد يتحقق أو لا يتحقق، وإنما هو أيضاً موضوع سياسي راهن ووسيلة فعالة خادعة ومضللة هدفها تهجير العرب من داخل الخط الأخضر (الترانسفير) سواء للأردن أم للعراق أم لأي مكان، وهذا ما كثر الحديث عنه خلال السنوات الخمس الماضية، ودفن حق العودة إلى الأبد، وتحقيق الحلم الصهيوني التاريخي بإقامة دولة يهودية نقية.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org