يفصل بين زيارتي بابا الفاتيكان والرئيس الأميركي أوباما إلى «الشرق الأوسط» أقل من شهر. البابا وأوباما هما جدلا رأسا العالم الغربي الديني المسيحي والسياسي على التوالي.
ولذا فان لطوافهما بالمنطقة ومخاطبتهما لشعوبها معاني وأصداء تؤشر لعلاقة هذا العالم بالدائرة العربية الإسلامية بالمفهومين الديني والسياسي. ولأن هذه العلاقة تبدو مركبة معقدة؛ تجمع بين ذكريات وتفاعلات تاريخية ومعاصرة، أكثرها مرير وقليلها مشرق ، فان هذه الزيارات تثير حساسيات ظاهرة ومضمرة ومشاعر متضاربة. آية ذلك وجود قوي وتيارات ترحب بالزائرين وأخرى لها رأى نقيض.. ظهر هذا واضحاً أثناء حضور البابا ويقيناً سيتكرر المشهد بين يدي زيارة أوباما.
في جولته، تحدث البابا عن تعزيز السلام والمصالحة داخل الشعوب وفيما بينهما، ورفض التوظيف السياسي للدين وشدد علي حوار الأديان، وخص المسيحيين بالبركة وأشاد بالحرية الدينية التي يتمتعون بها، ودعا لحماية مسيحيي العراق وأمن إسرائيل وضرورة قيام دولة للفلسطينيين.. لكن هذا الخطاب، على محتواه الروحي والسياسي ، لم ينل رضاء الذين انتظروا اعتذارا صريحا منه عن إيذاء مشاعر المسلمين في محاضرته لعام 2006، التي ألمح فيها إلى أن الإسلام لا عقلاني وعنيف.هذا رغم أن الزيارة ومحتواها إجمالاً شكلت اعتذارا على نحو غير مباشر.
حتماً ينتظر العرب والمسلمون اعتذارا أقوى وأكثر صراحة من أوباما. فإذا كان هؤلاء تحسسوا من أذى معنوي سببه البابا ذات محاضرة، فقد نالهم ضرر مادي ومعنوي أوقع بكثير جراء السياسة الأميركية لعشرات السنين. ما أدى إلى حساسية زيارة البابا أنها جاءت مسبوقة بصورة سلبية عن مواقفه تجاه الإسلام، وكذا أفكاره الموالية لبعض الرؤى الصهيونية. وهي أمور يمكن معالجتها بأحاديث ومراجعات تصحيحية كلامية نظرية ومعنوية أساساً.
لكن المطلوب من أوباما يتجاوز الكلام والخطب البلاغية بكثير. فالثقة التي ينشدها القطب الأميركي تقتضي إعادة النظر بخطوات عملية في التحيز لإسرائيل ورفع الغبن عن الفلسطينيين، ووقف سيل الدم في العراق وأفغانستان، وتطييب خواطر العرب والمسلمين بانتهاج وسائل الحوار معهم، ومراعاة مصالحهم و خياراتهم وعدم استهدافهم تحت زعم محاربة الإرهاب.
تتأتى حساسية خطاب أوباما المزمع من تزامنه ومعاناة المنطقة والمخاطبين فيها من ميراث سلبي ممتد؛ كانت خاتمته الجراح الغائرة عضوياً التي خلفتها إدارة سلفه بوش بخاصة.. وهذا إرث ثقيل لا تزيله أو تنظفه بحور من الكلام وإنما سياسات ملموسة ذات آثار إيجابية يراها الناس رأي العين.
كاتب وأكاديمي فلسطيني