ثمة من يقول إن التحولات الكبيرة أو المهمة لا تتم عادةً إلا بوسائل الضغط أو القوة. هذا هو واقع الحال فيما يتصل بالمحاولات والجهود المتكررة، لإنجاح الحوار الفلسطيني في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة. وفي الأصل تبرر حماس انقلابها وسيطرتها على السلطة في غزة قبل ما يقرب من عامين، بحسم ممانعة حركة فتح، التي حاولت تعطيل نتائج الانتخابات، وعزم تمكين حماس من ممارسة الحكم انطلاقاً من حصولها على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي.

خمس جولات من الحوار أغلبها ثنائي بين حركتي فتح وحماس برعاية مصرية رؤية، استغرقت حوالي ثلاثة أشهر، وكان يفترض أن توفر لدى الطرفين قناعات مشتركة، عبر تنازلات متبادلة تجعلهما قادرين على معالجة أزمة الانقسام، ولإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة، لكن هذا لم يحصل.

الجولتان الأخيرتان الرابعة والخامسة من الحوار، لم تحققا أي اختراق ينطوي على أهمية، مما يعني أن هذا الحوار بلغ درجة الاستعصاء، وأنه تحول إلى عملية تفاوضية، تشبه «المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية»، فعملية التفاوض موجودة ولكنها عقيمة ويغيب عنها الإنجاز. و في الحقيقة فإن الحوار الفلسطيني لم يبدأ في السادس والعشرين من فبراير الماضي، حيث بدأ العد للجولات التي وصلت إلى الخامسة، وإنما يعود إلى بداية المبادرة المصرية، ولقاءات الطاقم المصري مع الفصائل في شهر أغسطس من العام الماضي. ويبدو أن هناك من يستهدف فعلياً، تحويل الحوار إلى عملية تفاوضية، واستهلاك الوقت، في انتظار تطورات ومراهنات تخدم هذا الطرف أو ذاك. الحوار توقف عند القضايا التالية، منذ الجولة الرابعة:

أولاً: الحكومة: لا تزال الأطراف تتمسك بموقفها من طبيعة تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي، إذ تطالب حماس بأن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تعكس أحجام القوى في المجلس التشريعي، وأن برنامجها يمكن أن يستعيد برنامج حكومة الوحدة التي تشكلت بعد اتفاق مكة، بمعنى أن يسجل البرنامج «احترام الاتفاقيات والالتزامات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة» واستناداً لذلك، ترفض الصيغة التي ترغب فتح في أن يتضمنها البرنامج وهي صيغة «الالتزام» وليس «الاحترام».

حركة فتح أيضاً لا ترى بأن تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة حماس والفصائل، يمكن أن يساعد الفلسطينيين في رفع الحصار، وفتح المعابر وتنشيط ملف إعادة إعمار قطاع غزة، ذلك أن الرباعية الدولية لن تتعامل مع حكومة كهذه ما لم تعترف حماس بشروطها، أو حكومة تكنوقراط، لها صلاحيات انتقالية، وتستهدف التحضير للانتخابات في يناير العام المقبل، وتسعى لرفع الحصار وفتح المعابر والبدء بإعادة إعمار قطاع غزة، بالإضافة إلى إدارة الوضع الداخلي استناداً لما يتم الاتفاق عليه من خطوات بين أطراف الحوار.

في آخر ما يطرح على صعيد الحكومة، كانت حماس قد تقدمت باقتراح لتشكيل حكومة بدون برنامج سياسي، لكن حركة فتح رفضت ذلك، فيما لم ينجح المصريون في إقناع الأطراف بفكرة تشكيل هيئة قيادية مؤقتة فوق الحكومات القائمة في غزة والضفة، إلى حين إجراء الانتخابات.

ثانياً: الأمن: ثمة خلاف قوي عند هذه النقطة، ويتصل بكيفية إعادة توحيد الأجهزة الأمنية، ومهماتها خلال المرحلة التي تسبق الانتخابات. حركة حماس رفضت اقتراحاً بتشكيل قوة أمنية مشتركة في قطاع غزة تتكون من الأجهزة الموجودة وتديرها حماس، وأفراد من الأجهزة الأمنية السابقة للسلطة وهم موجودون في القطاع.

أما سبب الرفض فيعود إلى أن حماس تطرح إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية في القطاع والضفة، وأن لا يقتصر الأمر على قطاع غزة. الخلاف حول هذه النقطة يعود إلى كيف ينظر كل طرف للطرف الآخر، ويعكس الخوف القادم والرغبة في السيطرة.

على هامش النقاش اقترحت حركة حماس معالجة موضوع الأمن على المعابر بما يضمن فتحها، غير أن فتح رفضت ذلك، على اعتبار أن قضية الأمن هي قضية واحدة وشاملة، ولا يمكن تجزئتها على هذا النحو لتأخذ حماس ما يعنيها وترفض ما لا يعنيها.

ثالثاً: الانتخابات: تم الاتفاق على أن لا تتجاوز الانتخابات الرئاسية والتشريعية الموعد الدستوري وهو الخامس والعشرين من يناير المقبل، غير أن الطرفين اختلفا على النظام الانتخابي الذي ستجري وفقه.

في لقاءات الحوار الشامل قبل أن يتحول إلى ثنائي، كانت تقريباً كل الفصائل تدعم الاقتراح الذي يقول بأن تجري الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي الكامل (نظام القوائم الانتخابية)، وعارضت حماس التي تمسكت بالنظام السابق وهو نظام مختلف مختلط بنسبة 50% لكل من النظام النسبي ونظام الدوائر (الفردي).

خلال الجولتين الرابعة والخامسة أبدت فتح بعض المرونة، فطرحت اقتراحاً يقضي بأن يتم تحريك النسبة، بحيث تكون 85% لصالح النسبي، و15% لصالح الدوائر، غير أن حماس لم توافق وطرحت نسبة 60% و40% على التوالي، ولذلك بقيت القضية موضع خلاف.

كان يمكن لهذا الخلاف أن يستمر لأشهر أخرى، دون التوصل إلى اتفاق شامل، غير أن الطرف المصري أدرك الأمر، وتدخل في الجولة الأخيرة لصورة تقديم ما يشبه الإنذار حيث تم تحديد سقف زمني لا يتعدى الأسبوع الأول من يوليو المقبل. لتوقيع الاتفاق وإلا فإن مصر ستحمل المسؤولية للطرف الذي يعطل الاتفاق، وربما تتهمه بإلحاق ضرر بليغ بالأمن القومي المصري والعربي.

مجريات الحوار، وآلياته، وما تم إنجازه، وما بقي عالقاً، يشير بشكل واضح إلى أن الخلاف عقائدياً في الأساس وشاملاً، وأن ثمة عقبات فلسطينية داخلية كبيرة تحول دون التوصل إلى اتفاق، وليس صحيحاً أن التدخلات الدولية والإقليمية هي التي تعطل الحوار، مع أن هذه التدخلات موجودة وسلبية، ولها ثقل على المتحاورين. إن من يقول بأولوية تأثير التدخلات الدولية والإقليمية في منع التوصل لاتفاق يلبي المصالح الوطنية الفلسطينية كأنه يقول، إن القيادات الفلسطينية فقدت الإرادة، وأن قرارها أصبح مرهوناً لأطراف خارجية، فإن كل ذلك صحيحاً، فإن ذلك يعني الكارثة بعينها.

على أرض الواقع، فإن مرور المزيد من الوقت دون اتفاق يعني تكريس الانقسام وتعميق وتزايد العقبات الداخلية التي تقف في الطريق، مما يضعف كل الأطراف الفلسطينية على مجابهة التحديات الخطيرة التي تصدر عن سياسة الحكومة الإسرائيلية اليمينية التي تحضر نفسها لإشعال حروب في المنطقة أولها على قطاع غزة، وللإطاحة بأبسط وكل الإنجازات التي حققها الفلسطينيون على تواضعها.

التدخل المصري المباشر والقوي أصبح الخيار الوحيد المطروح على الأطراف الفلسطينية التي لا تبدي ما يكفي من الإرادة لإنهاء الانقسام، خصوصاً وأن المسعى المصري أصبح محل إجماع عربي، بعد «التوبة القطرية» قبل قمة الدوحة، وتصريحات الرئيس بشار الأسد، بدعم شرعية الرئيس محمود عباس، وتأكيده على أولوية الحوار والوحدة الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com