يشهد أكتوبر القادم بدء الحوار المباشر بين الولايات المتحدة وإيران حول برنامج إيران النووي المثير للجدل، بعد أن أسقط الموقف الإيراني المتصلب الشروط المسبقة التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش. وقد تم اختيار هذا التوقيت من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لسببين رئيسيين:
1 ـ مرور عشرة أسابيع على الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقرر إجراؤها في الثاني عشر من يونيو المقبل، وهو زمن كاف للتعرف على حقيقة النوايا الإيرانية في حال فوز مرشح آخر غير الرئيس أحمدي نجاد.
2 ـ انتهاء أعمال اللقاء السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية سبتمبر المقبل والذي سيشهد نقاشاً جانبياً للموضوع النووي مع إيران.
الحوار القادم لن يكون الأول من نوعه، إلا في ناحية واحدة هي وجود طرف أميركي فيه، ووجود بوادر تغير في الأجواء السياسية في منطقة الشرق الأوسط. فجدول الأعمال وأهداف كل طرف واضحة للطرف الآخر، وموقف كل طرف هو الآخر في منتهى الوضوح للطرف الآخر.
إلا أن ما هو جدير بالإشارة إليه، هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين، قد وضعوا بعض المعايير للحكم على نوايا طهران وحقيقة أهدافها النووية، وذلك لتقرير ما إذا كان الاستمرار في هذا الحوار أمراٌ مجديا أم لا، لتحقيق أهدافهم، وهي الاطمئنان على نزع القدرات النووية العسكرية عن طهران. ومن المعايير المقترحة كمقدمة لبدء الحوار أمران أساسيان:
1 ـ موافقة إيران على قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش مفاجئ لمواقعها النووية.
2 ـ موافقة إيران على تجميد تخصيب اليورانيوم، مقابل تجميد العقوبات الجديدة التي من المقرر أن تفرض عليها.
كما قد تتضمن المعايير التعرف على مدى استعداد إيران لوقف دعمها لبعض الحركات السياسية في المنطقة، المصنفة في قائمة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة. المعايير الموضوعة هذه هي، في الحقيقة، استجابة للضغوط التي تسلطها إسرائيل وبعض الدول العربية على الولايات المتحدة، خوفاً من أن إيران ستجر المحادثات إلى ما لا نهاية كما فعلت في السابق كسباً للوقت.
فقد أوضحت الإدارة الأميركية الجديدة على لسان الرئيس أوباما، ولسان وزيرة خارجيته كلينتون، أن موقف الولايات المتحدة المنفتح على طهران لا يعني أنها مستعدة لأن تخوض محادثات لا يحددها سقف زمني.
وفي ضوء هذه المعطيات المتوافرة، لغير القريبين من مصادر المعلومات، لا مفر من الاستنتاج بأن فرص نجاح هذه المحادثات ضئيلة للغاية، ما لم يكن لدى الولايات المتحدة وحلفائها الكثير الذي تقدمه لإيران على صعيد النفوذ في المنطقة، وخاصة في العراق، وذلك لأسباب عديدة:
1 ـ الرهان الأميركي على موقف مغاير لرئيس إيراني جديد، ليس في محله على الإطلاق. فالمتابع للشأن الإيراني يعرف أن سلطة القرار، في القضايا المتقدمة استراتيجياً في إيران، هي في يد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي.
2 ـ قطعت إيران شوطاً قد يكون بعيداً في برنامجها النووي ووصلت فيه إلى نقطة اللاعودة، وأن ما حققته من نجاح، في هذا المجال، قد أصبح إنجازاً تستثمره المؤسسة الحاكمة في طهران، سياسياً وإعلامياً، على مستوى الداخل الإيراني وعلى المستوى الإقليمي. وقد أصبح الموقف منه بمثابة خط أحمر لا يجرؤ مرشح للرئاسة أن يطرح بديلا مغايرا له.
3 ـ قناعة إيران بعدم قدرة الولايات المتحدة على المغامرة واللجوء إلى الخيار العسكري، بعد تجربتي حربين لا تزالان تستنزفان القدرات الأميركية، في أفغانستان والعراق. فمن المستبعد جداً في الوقت الحالي أن تلجأ إدارة الرئيس أوباما إلى خيار القوة.
كل ما ستلجأ إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها هو رفع سقف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، إذا تمكنت من إقناع روسيا والصين بذلك. وهي في هذا الصدد لديها موقف قد يكون في صالحها، وهو بدء الحوار مع طهران دون شروط مسبقة، وهو بالضبط ما كانت تطالب به من قبل كل من روسيا والصين في عهد الرئيس الأميركي السابق، واعتبرتا عدم القيام به مبرراً لعدم موافقتهما على رفع سقف العقوبات.
إلا أن ذلك قد لا يكون في تقدير القادة الروس موازياً في أهميته لما يتعلق بالمصالح العليا للدولة الروسية، وهو استمرار الولايات المتحدة في نهج الاستفزاز لروسيا وإصرار حلف الناتو على إجراء مناوراته العسكرية في الأراضي الجورجية.
إلا أن لدى الولايات المتحدة وحلفائها مساراً آخر يقدمون من خلاله على استخدام ما بحوزتهم من نفوذ وعلاقات مع جهات ذات صلة بالاقتصاد الإيراني، بشكل مباشر أو غير مباشر. فالكونغرس الأميركي في طور إعداد تشريعات ستعرض على البيت البيض بشأن مقاطعة الشركات التي تصدر مختلف المشتقات النفطية لإيران، ومنها الغازولين الذي تستورد إيران 40% من حاجتها منه، على الرغم من الثروة النفطية التي لديها.
إسرائيل لا تنظر بعين الرضى إلى المحادثات الأميركية الإيرانية المقبلة، وتنظر إلى الجدول الزمني الموضوع لها، وهو نهاية العام الحالي، بقلق بالغ، وهي لا تخفي رغبتها في القيام بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية، وقد أجرت تدريبات خاصة للقيام بذلك، وهي على أتم الاستعداد لتنفيذ ما تعتزمه، خاصة وأن معظم قواتها الجوية وأسلحتها المضادة للصواريخ في حالة استعداد. والحقيقة أن بدء هذه المحادثات في أكتوبر القادم يوفر لإسرائيل فرصة إجهاضها بعمل عسكري منفرد، قد تكون مستعدة لتحمل تبعات تداعياته.
فهي غير مقتنعة بأن الحوار مع طهران سوف يثمر شيئاً يطمئنها على أمنها القومي، سيما وأن الحديث عن تدميرها وإزالتها من الخارطة قد تردد في السنوات الأخيرة كثيراً على ألسنة مسؤولين كبار في إيران. ولا ريب أن إدارة الرئيس أوباما لا تستبعد ذلك، فقد بعثت برسالة خاصة تطلب فيها من إسرائيل عدم القيام بأي عمل عسكري ضد إيران دون مشورتها.
ويبدو أن هناك شيئاً ما في طور النضوج في هذا الصدد، فقد بادر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي، في حديثه لمجلة دير شبيغل الألمانية في الثامن عشر من الشهر الجاري، إلى التحذير بلهجة لا تخلو من الحدة، من مخاطر اللجوء إلى القوة في معالجة الملف النووي الإيراني، وحذر بالقول: «من الجنون تماماً أن تتم مهاجمة إيران، لأن ذلك سيحول المنطقة إلى كرة كبيرة من اللهب، وسيعجل من بدء إيران على الفور في بناء القنبلة النووية وبتأييد من كل العالم الإسلامي».
كاتب عراقي