على خلفية انعقاد قمة روسيا والاتحاد الأوروبي يشهد إقليم القوقاز وخاصة في مناطق إقليم أبخازيا، تطورات تثير القلق حول مصير حالة الأمن والاستقرار في هذا الإقليم، وقد اضطرت روسيا إلى الإبقاء على كامل قواتها في قاعدة غوداوتا العسكرية الروسية في أبخازيا والبالغ تعدادها3700 فرد من القوات المسلحة الروسية.
وتراجعت عن فكرة تقليص العدد، بل وسيشارك 1341 فردا من هيئة الحدود الفيدرالية الروسية في حماية الحدود الدولية الأبخازية مع جورجيا بالتعاون مع 200 جندي من الجانب الابخازي، وقد اضطرت أبخازيا إلى تسليم إدارة شؤون السكك الحديدية الأبخازية لشركة السكك الحديدية الروسية بصورة مؤقتة لفترة 10 سنوات. وسيوضع مطار سوخومي أيضا تحت إدارة روسيا بصورة مؤقتة.
هذه الإجراءات تكشف أن السلطات الروسية والأبخازية مازالت تتوقع قيام نظام ساكاشفيلي بمغامرة جديدة بشن هجمات عسكرية ضد إقليمي أوسيتيا الجنوبية وابخازيا في محاولة لاستعادة السيطرة على هذين الإقليمين، ونشر قوات الناتو على الحدود الروسية.
وقد كشفت جهات روسية رسمية عن أن نظام ساكاشفيلي في جورجيا يعمل على تكثيف تواجده العسكري عبر إجراء المناورات والتدريبات العسكرية بالقرب من مناطق النزاع بهدف توتير الأجواء وإشعال فتيل حرب ثانية.
وقد أعرب الرئيس ديمتري ميدفيديف عن موقف موسكو السلبي إزاء المناورات العسكرية التي ينفذها حلف شمال الأطلسي في جورجيا منذ بداية شهر مايو، معتبرا أن أفعالا من هذا القبيل تشكل استفزازا لروسيا وتصب في إطار شحن الأجواء ولا تساهم في حفظ الأمن الدولي.
ونددت روسيا بقرار حلف الناتو استخدام الأراضي الجورجية كمسرح للمناورات العسكرية، معتبرة أن إجراء مناورات عسكرية في منطقة شهدت الحرب الحقيقية في أغسطس الماضي لا يجوز.
هذا الوضع يؤكد أن الحرب الجورجية في أغسطس العام الماضي لم تكن سوى جولة من جولات ستشهدها منطقة القوقاز قريبا، ويخطط الغرب لتفجيرها حتى يتثنى له السيطرة على ثروات حوض بحر قزوين وممرات الغاز الآسيوي نحو القارة الأوروبية. وذلك في أجواء لا مبالاة كاملة بمصير سكان هذه المناطق ومطامحهم وحقهم في تقرير المصير.
وإذا كانت روسيا قد عارضت الاعتراف باستقلال كوسوفو استنادا إلى قرارات المجتمع الدولي، والتي ضرب الغرب بها عرض الحائط، فلم يكن أمام روسيا في مواجهة حرب التطهير العرقي التي شنها ساكاشفيلي سوى استخدام نفس المنطق الغربي في التعامل مع كوسوفو لإنقاذ حياة السكان المدنيين في إقليمي آوسيتيا الجنوبية وابخازيا.
والمثير للدهشة أن الغرب بدلا من اعترافه باستقلال الإقليمين نبذ منطقه وشعاراته حول حق تقرير المصير، وسعى لإجبار سكان الإقليمين على البقاء ضمن السيادة الجورجية بالإكراه، أي أن الغرب فقد مصداقيته مرة أخرى عندما لجأ للكيل بمعيارين وربما بأكثر. بل إنه يتورط شيئا فشيئا في الصدام المسلح المتوقع ضد روسيا!
ويترافق تصعيد الناتو في القوقاز مع اتخاذ الاتحاد الأوروبي لخطوات نحو تأسيس ما يسمى بالشراكة الشرقية، حيث تعمل المفوضية الأوروبية على تشكيل اتحاد جديد يضم ست جمهوريات سوفيتية سابقة ـ أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدافيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا ـ إلا أن رئيسي جمهوريتي بيلاروسيا ومولدافيا رفضا المشاركة، معتبرين أن مؤسسي الشراكة الشرقية بصدد إنشاء تكتل من شأنه أن يعزل روسيا عن باقي أوروبا.
بعبارة أخرى لا يقتصر الأمر على نشر قوات الناتو على الحدود الروسية، وإنما يتسع إلى فرض حصار سياسي ضد روسيا. كيف يمكن اذا أن تدير روسيا حوارا بناء مع الاتحاد الأوروبي، وكيف يمكن أن يتم تعاون مثمر بين روسيا وأوروبا في ظل هذه السياسات العدائية والاستفزازية.
ومازال الغرب يتمسك بمقولة القوة العظمى، متناسيا أن المرحلة الراهنة والتي يواجه فيها النظام العالمي الجديد أخطر التحديات التي تهدد كيانه الاقتصادي تتطلب التعاون والتنسيق لتجاوز أزمات المرحلة التي يمكن أن تطيح بهذا النظام. ما يعني أن بعض التنازلات واحترام مصالح روسيا بات ضرورة للعمل المشترك نحو إنقاذ النظام العالمي الذي يواجه مخاطر وأزمات بنيوية.
كاتب روسي