للصراع الصهيوني العربي سمات ثابتة صاحبته منذ ارهاصاته الأولى إلى يومنا هذا.. كالتعقيد الشديد من حيث الموضوع، وكثرة المعنيين به والمنغمسين فيه من قريب وبعيد بالنظر إلى ارتباطه مساراً ومصيراً بمصالح مادية أو معنوية لهم، والامتداد في الزمان والمكان.

نتج عن هذه الثوابت ظاهرة منحت الصراع مزيداً من الخصوصية، هي كثرة الأطراف الثالثة التي سعت للوساطة. كل القوي ذات الحيثية والكلمة المسموعة دولياً، عرضت مشروعاً أو آخر للسلام في «الشرق الأوسط». وليس بلا مغزى في هذا السياق وجود مبعوثين دائمين اليوم من جهات الدنيا الأربع وقاراتها الست، وظيفتهم متابعة ملف الصراع والتسوية في هذه المنطقة.

ومع هذا الاهتمام الكوني والتزاحم علي دور الوساطة، فان الولايات المتحدة ظلت منذ ما بعد حرب السويس 1956، الطرف الوحيد المقبول والمسموح له إسرائيليا بأداء هذا الدور. المثير أن السلوك الأميركي لم يوح يوماً بتوفر شرط النزاهة واتخاذ مسافة متساوية بين أطراف الصراع..

لكن إصرار العرب علي استمرارية حضور الولايات المتحدة يتأتي من اقتناعهم بأنها الأقدر دولياً علي التأثير في موازين القوي بكل مضامينه لصالح إسرائيل.

مرور الزمن وتفاقم الصراع وتحول النظام الدولي برمته ومسلسل التنازلات الفلسطينية والعربية في سبيل إقرار «سلام إستراتيجي».. كل هذه المتغيرات ونحوها لم تزحزح إسرائيل عن ثابتها المتعلق بالتفاوض المباشر مع كل طرف عربي علي حدة، وفقاً لرؤيتها للسلام غير العادل، ورفض وإفشال أي وساطة تجافي هذه الرؤية، حتى وإن كانت من الطرف الأميركي. ولنا في الشروط الأربعة عشر التي عطلت بها خريطة الطريق الأميركية عبرة.

آخر طبعة لهذا الموقف الإستكباري، تمثلت في امتعاضها من بيان أصدره مجلس الأمن في 11 مايوالجارى، يدعم فيه حل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية ويدعو لاستئناف مفاوضات التسوية الشاملة في الشرق الأوسط.

الولايات المتحدة لم تعترض علي هذه الصيغة التي صدرت بالإجماع..لكن سفيرة إسرائيل بالأمم المتحدة كان لها رأي آخر هو أن «تكون العملية السلمية ثنائية تترك للأطراف أنفسهم»..

وأن «البيان غير مناسب لأن حكومة إسرائيل مازالت تراجع سياستها». المعني هنا هو إصرار إسرائيل على نبذ أية وساطة حتى من مجلس الأمن بمقامه الرفيع، وعلى العالم أن ينتظر رؤية حكومتها لما ينبغي أن يكون عليه الحل!.ولأن المجلس لزم الصمت فمن الواضح أن سلطته الآمرة ممنوعة من الصرف مع هذه الدولة.

mohamedalazzar@hotmail.com