منذ أن أعيد انتخاب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة للولاية الرئاسية الثالثة، وهو يجوب المدن الجزائرية في لقاءات مفتوحة مع الجماهير يتحدث معهم عن كافة الأمور التي تهمهم، وهذه الخطوة تعد بمثابة استراتيجية هجومية من بوتفليقة يستبق بها ما كان منتظرا من معارضيه وهو التشكيك في شرعيته، وقد اختار أن يبدأ هو بالهجوم بدلا من أن يضعه معارضوه فى موقع الدفاع،.
إضافة إلى أن الانتخابات وملابساتها أكدت للرئيس انه بحاجة التي توسيع قاعدته الجماهيرية من دون أي اعتماد على التنظيمات السياسية التي تمثل القاعدة السياسية له.
وهو ما يمثل نقلة في استراتيجية الرئيس الجزائري يبدو منها انه يختار فيها التعامل المباشر مع الجماهير بعيدا عن الوسطاء، خاصة وأنه يدرك أن القوى السياسية المختلفة سوف تسعى إلى تحقيق مطالب خاصة بها، استثمارا منها لعلاقتها بالرئيس وبما يبدو أن ذلك مقابل تحصل عليه من الرئيس نتيجة لوساطتها بينه وبين قاعدته الشعبية.
وهناك من يعتبر خطوة الرئيس إجبارية ومحصلة لنتائج سياسته فى ولايتيه السابقتين، والتي همش فيها دور التنظيمات السياسية وعلى رأسها الأحزاب السياسية، فضلا عن أنه ركز السلطة في مؤسسة واحدة هي مؤسسة الرئاسة الأمر الذي أوجد فجوة هائلة بين السلطة والجماهير، لم يجد سوى الرئيس لكي يملأها، بسبب فراغ السلطة الذي سبق وتحدثنا عنه.
وهذا الأمر يطرح تساؤلات حول المدى الزمني الذي يستطيع الرئيس أن يمارس فيه هذا الأمر أي التواصل المباشر مع الجماهير، خاصة فى ظل حالته الصحية التي دفعته لأن يسافر إلى فرنسا للعلاج أكثر من مرة فى ولايته الثانية.
أي أن هذه الاستراتيجية قد لا تكون طوعية من الرئيس وإنما فرضتها التطورات السياسية التي حدثت فى المرحلة الماضية، وهى فى نفس الوقت قد لا تكون قابلة للاستمرار بسبب الأوضاع الصحية للرئيس، وهو الأمر الذي يعني أن المعارضين للرئيس لابد وان تكون لهم استراتيجية مضادة من اجل تجنب تهميش الرئيس لهم عبر استراتيجيته الحالية.
والملاحظ أن الرئيس في استراتيجيته هذه يتبع سياسة شعبوية سواء عبر اللقاءات نفسها أم عبر الفئات التي يسعى إلى اللقاء معها أم عبر لغة الخطاب السياسي معها والتي تتميز بالبساطة وتتناول قضايا حياتية بالنسبة لهم.
وتبتعد عن القضايا الأخرى التي تهم النخبة، كذلك تجنب الرئيس الحديث عن الوضع الأمني بما يعنى انه يتعامل معه باعتبار انه تم تجاوز الوضع الأمني السيئ الذي يجمع المراقبون على انه تحسن بصورة ملموسة خلال ولايتي الرئيس السابقتين، وذلك من خلال سياسة الوئام الوطني وأيضا من خلال التعامل الامنى الناجح خلال حكم بوتفليقة فى السنوات السابقة.
وبالطبع فان مثل هذة السياسة تنجح عادة فى توسيع شعبية اى رئيس يتبعها، ولكن لها مضار أخرى تتمثل فى تهميش السياسة وموتها، وتسبب أيضا فى تراجع الانتماءات الحديثة لصالح انتماءات أخرى تقليدية تعتمد على الصفة التي يجتمعون مع الرئيس على أساسها. وهو ما يعني أنها يمكن أن تفيد الرئيس مرحليا لكن تأثيرها السلبي على العمل السياسة فى الجزائر سوف يستمر فترة طويلة من الوقت، وهذا الأمر هو المتوقع من اى سياسة شعبوية تمارس فى اى بلد فى العالم.
ومن الواضح أن الرئيس اكتشف مع تطورات حملته الانتخابية أن هناك فجوة كبيرة بينه وبين الناخبين، وهو الأمر الذي دفعه إلى الاعتماد الجزئي على الأحزاب التي تمثل تحالفه السياسي، وهو الأمر الذي حمله أعباء إضافية فى مواجهة ناخبيه، ويبدو انه فى استراتيجيته الجديدة قرر أن يضيق هذة الفجوة وان يتلافى هذة الأعباء ويتواصل مباشرة مع الناخبين.
والذي يجعلنا نعتبر هذة الاستراتيجية هجومية أمرين الأول أن الرئيس بدأها بسرعة وبعد أسابيع قليلة من نجاحه فى الانتخابات، فيما يبدو انه يريد أن يستبق بها اى مساع من قبل المعارضة لان تستغل الفجوة بينه وبين الجماهير التي سبق أن اشرنا إليها.
أما الأمر الثاني فيتعلق بالفئات التي قرر الرئيس أن يلتقي بها والمناطق التي قرر أن يزورها، فهي تلك التي كانت المعارضة تزعم أنها خارج خطط الرئيس التنموية، وتقول إنها غاضبة من الحكم، فقرر الرئيس أن يواجهها بدلا من أن يتجنبها.
ويبدو أن الرئيس بوتفليقة يدرك أن هناك مهمة صعبة تنتظره فى ولايته الثالثة، ويدرك صعوبتها جيدا خاصة فى ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي ستتأثر الجزائر بتبعاتها من أكثر من جهة يمكن أن تحدث تراجع فى خطط الرئيس التنموية، من هنا فإن الرئيس رأى أن لقاءاته مع الجماهير مباشرة وتواصله معهم يمكن أن تمثل تعويضا لهم عن التراجع، فضلا عن انه يلمح لهم،ولا يصرح، فى حديثه معهم على صعوبة مهمته المقبلة الأمر الذي يمكن أن يمتص غضبهم ويسهل أمام الرئيس مهمته فى الفترة الثالثة لرئاسته.
وخلاصة القول هي إن الصراع الحاد الذي كان من الممكن أن يحدث في أعقاب الانتخابات أو الاحتقان السياسي الذي كان المراقبون يرجحونه، لم يحدث أي منهما، والفضل فى ذلك يرجع إلى إتباع الرئيس الاستراتيجية الهجومية التي أزالت الحواجز بينه وبين قطاعات شعبية متعددة، كانت فى معظمها قطاعات محايدة فى مواجهته.
كاتب مصري
