من أسمائها وصفاتها ومجالات نشاطها نعرف أن منظمات الإغاثة المدنية غير الحكومية لا صلة لها بالعمل السياسي. لا فرق في ذلك بين المنظمات ذات الطبيعة الوطنية البحتة، وتلك العابرة بأعمالها لحدود الدول والقارات. ندري أن القطيعة الكاملة بين هذه المنظمات وبين الحكومات والمؤسسات السياسية هدف مثالي.

فبدون وجود خطوط محددة للتواصل والتنسيق، يصعب تدفق عمليات الإغاثة والمساعدة الإنسانية داخل الدول وفيما بينها. غير أنه كلما اتسعت المسافة بين حركة منظمات الإغاثة وبين ما هو سياسي، كلما زادت الثقة بهذه المنظمات واطمأنت الدوائر السياسية إليها ورفعت وتيرة التعاون معها. وعكس ذلك صحيح. .

فتخطي منظمات الإغاثة لاختصاصها الإنساني وتعديها إلي السياسي، يثير حولها الشبهات بوجود أجندات خفية وبواعث خبيثة، ويجعلها محلاً للشك والتربص. وبمرور الوقت تتأبط الحكومات بها شراً. وما لم يتم تدارك الريبة وتصحيح مسار العلاقة، تفصح الحكومات عن عدائها الصريح لعمل هذه المنظمات ثم لوجودها من الأصل. . فان كانت من أهل البيت أغلقت عليها ودونها الأبواب، وإن كانت من الخارج ضيقت نطاق حركتها وقد تسحب تصاريحها وتطردها من البلاد.

عندما تهبط العلاقة مع منظمات الإغاثة والعمل الخيري غير المحلية إلى درك العداء، ترفع الحكومات لواء السيادة الوطنية، التي تمثل في هذه الحالة كلمة السر التي تجعل وجود هذه المنظمات على أرض الدولة من عدمه قرارا سياسيا بحتا.

هذا ما حدث مع الحكومة السودانية حين اتخذت قرار طرد بعض المؤسسات الخيرية العاملة على أرضها بإقليم دارفور، بعد اتهامها بالتحريض السياسي ضدها ورفع تقارير استخبارية مكذوبة تشهر بسلوكها ضد أهل دارفور، بما أدى إلى القرار الشهير باستدعاء الرئيس السوداني للمحكمة الجنائية.

والملاحظ أن التناظر بخصوص حدود السيادة الوطنية، قائم على قدم وساق. والأرجح بتقديرنا أن السيادة مازالت ركناً أساسياً من أركان وجود الدول واثبات شخصيتها. وأنه لا يشكك في ذلك سوى القوى التي تملك القدرة على السخرية ممن يسعون لمحاسبتها وفقاً لمبدأ نسبية السيادة.

مثلاً الولايات المتحدة، لا تعترف بهذا المبدأ وترفض تعريض جنودها ناهيك عن رؤسائها- للمساءلة الدولية. ومؤخراً رفض الرئيس أوباما أي إجراء قضائي داخلي أو خارجي ضد سلفه بوش الابن رغم الأدلة على جنايته بغزو العراق. لا تعاني السياسة نقصاً فيمن يهتمون بها. . ولذا تخدم منظمات الإغاثة الناس أكثر إذا لم تغادر مواقعها الإنسانية البحتة.

mohamedalazzar@hotmail.com