حدثان مهمان وقعا في الفترة نفسها أحدهما يقع ضمن النطاق الشخصي وآخر عام وكان لكليهما الفضل في إثارة موضوع في غاية الأهمية ألا وهو تسليط الضوء على التاريخ والوجود المسيحي في الدول العربية. الحدث الأول إطلاعي على رواية عزازيل لمؤلفها الأكاديمي والباحث المصري في شؤون الفلسفة الإسلامية يوسف زيدان.

وقد حصلت هذه الرواية مؤخراً على جائزة البوكر العربية كأفضل رواية عربية عالمية، ومما تجدر الإشارة إليه أن عدد طبعات الرواية وصلت إلى العشر طبعات وذلك خلال عام واحد فقط من إصدارها، كما يجري الاتفاق حالياً مع دور نشر أوروبية شهيرة لإصدار ما يزيد عن عشر ترجمات للرواية في لغات مختلفة، وبعيداً على المظاهر الاحتفالية والشهرة التي حققتها الرواية وقريباً من مضمونها الذي انقسم حوله النقاد ورجال الكنيسة في العالم العربي ما بين مؤيد ومعارض وخاصة حول طبيعة الصراع الكنسي بين أتباع كنيسة الإسكندرية الذين كانوا يؤمنون بالطبيعة الإلهية للسيد المسيح .

وأتباع المذهب النسطوري الذين يؤمنون بالطبيعة البشرية للسيد المسيح وأمه، إلا أنه يمكن التأكيد أن الرواية ولو جاءت في قالب أدبي قد نجحت في تسليط الضوء على أحداث مرحلة مهمة في التاريخ المسيحي المصري وقعت في القرن الخامس الميلادي وهو بداية العهد الجديد كما يسمى بعد أن تم نبذ الوثنية واليهودية في مصر.

جاءت الرواية لتفتح باب الحوار والنقاش على أحداث مهمة وعلى شخصيات معروفة ومتاحة لأي باحث مطلع على المصادر التاريخية أن يجدها، وهي بذلك قد تمكنت من لفت الأنظار إلى مرحلة التاريخ القبطي ووضعها في سياقها العام بالنسبة لدراسة التاريخ المصري بشكل عام، وهذا يحسب بشكل إيجابي وكبير للكاتب، فالتراث المشرقي المسيحي مازال يشكل مساحات غامضة بالنسبة لقطاع عريض من الناس فيما عدا أصحاب الاختصاص واللاهوت، فإماطة اللثام عن هذه البؤر الغامضة في التراث وغيرها الكثير أشد ما نحتاج إليه في الوقت الحالي.

ترافقت فترة إطلاعي لرواية عزازيل زيارة بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر التاريخية الشرق أوسطية إلى كل من الأردن وفلسطين، وبعيداً عن أهداف الزيارة المعلنة منها أو غير المعلنة،.

والتي تدور إما في الفلك الديني وذلك بغرض الحج في الأماكن المقدسة، أو السياسي بهدف المساعدة في إعادة إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين واليهود، وبعيداً كذلك عن أجواء الاعتذار التي ينتظرها المسلمون جراء هفوات البابا في إحدى خطبه التي ألقاها قبل ثلاث سنوات والتي حمل فيها الدين الإسلامي ما لا يمت إليه بصلة.

بصرف النظر عن جميع هذه الاحتمالات، يكفي أن زيارة البابا سلطت الأنظار على الحضور المسيحي العربي العريق ثقافياً وحضارياً وبشرياً، وذلك من خلال إبراز المقدسات المسيحية والتي تعتبر إرثاً سياحياً يميز المنطقة العربية عن سواها، كما ساهمت زيارة البابا في إبراز درجة المعاناة التي يعانيها مسيحيو فلسطين من اضطهاد وتعذيب وفصل تعسفي عبر الجدار الملعون الذي يقيمه اليهود، فإسرائيل اليوم تعمل جاهدة على تفريغ مدن فلسطين وخاصة القدس وبيت لحم والناصرة ذات الأغلبية المسيحية.

شكراً لعزازيل والبابا على الأقل في إسهامهم في فتح نافذة على قراءة التاريخ المسيحي العربي، فالمسيحيون العرب هم جزء أساسي ورئيسي من ثقافة وتاريخ الوطن العربي، فلنستعرض على سبيل المثال الأحزاب القومية العربية التي أنقذت العالم العربي من براثن العثمانيين، سنجد معظم منتسبيها من المسيحيين العرب الذين كانوا ضمن القوى الطلائعية في التأسيس والتنظير والنشاط السياسي والفكري وإرساء أسس القومية العربية القائمة على أساس الأخوة الوطنية التي تجمع المسلمين والمسيحيين مع بعضهم البعض.

، كذلك هو حال أدب المهجر الذي نشأ على إبداعات إنسانية خالدة صاغتها أنامل المسيحيين العرب مما كان له أكبر الأثر على منح الثقافة العربية مكاناً راقياً وشكل انطلاقة لغوية عربية رفعت اللغة العربية إلى مصاف اللغات الحية، كثيرة هي إنجازاتهم في مجالات الترجمة والصحافة والأدب لا يمكن إحصائها.

ولا يهدف هذا المقال إلى عرض إنجازات المسيحيين العرب بقصد ما يهدف إلى تسليط الضوء على الوجود المسيحي العربي الذي يتم تجاهله وعدم الاهتمام به خاصة في هذه الفترة التي يتعرض فيها هذا الوجود إلى استنزاف وأصناف متعددة من الاضطهاد والتعذيب سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان.

فلنشدو جميعاً من أجل السلام والمحبة والتسامح مسيحيين ومسلمين عرب، ولنصرف الأنظار عن الفوارق الدينية، لا فرق بين أحد وآخر ما دام الكل يعبد إلهاً واحداً وإن تعددت الأساليب، فكلنا يجمعنا وطن واحد وسماء واحدة نستنشق ذات الهواء ونفترش ذات الأرض، فلنجعل أنفسنا تسمو بأخلاقنا عالياً فوق جميع الأضغان والأحقاد، ولنتخلص من الطائفية والمذهبية، ولنحافظ على التنوع الديني والحضاري الذي يميز الوطن العربي أكثر عن غيره من الأوطان، وكما قال صالح قلاب في إحدى مقالاته بأنه (لا شرق بلا مسيحيين ومسيحية).

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com