ما أن تسلمت روسيا رئاسة الدورة الشهرية الحالية لمجلس الأمن الدولي حتى بادرت لعقد اجتماع وزاري للمجلس «للبحث في سبل وكيفية تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط». مندوب روسيا في مجلس الأمن فيتالي تشوركين، قال للصحافيين قبل الجلسة «إن أعضاء المجلس سيناقشون الدور والإجراءات التي يجب تنفيذها لاستئناف عملية السلام بالإضافة إلى تطبيع الوضع في المنطقة، وتنفيذ القرارات التي اتخذها المجلس سابقاً بهذا الصدد».
من أصل خمسة عشر عضواً في مجلس الأمن، حضر الجلسة التي انعقدت يوم الاثنين الماضي الموافق الثاني عشر من الجاري، حضر الجلسة وزراء خارجية كل من روسيا، بريطانيا، فرنسا، تركيا، والنمسا، وتغيبت عن قصد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون التي تعتبر أن للولايات المتحدة وليس لروسيا الكلمة الأخيرة والحاسمة، بهذا الملف.
في الواقع فإن المبادرة الروسية ربما تقدم مؤشراً إضافياً تحتاجه قيادة الكرملين، للإعلان عن معاودة نشاطها وتأثيرها على المستوى الدولي، بعد أن قطعت شوطاً ملحوظاً في إعادة بناء اقتصادها ونحو ما كان الرئيس الروسي أعلنه خلال أزمة جورجيا، من ضرورة إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب.
القيادة الروسية تدرك تماماً، أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بكلتا يديها بملف عملية السلام، وأنها الطرف الأشد تأثيراً والحاسم في تحريك هذه العملية ودفعها، ذلك أن مرحلة ما بعد انهيار النظام الاشتراكي والاتحاد السوفيتي، شهدت تبدلات كثيرة وعميقة في علاقات دول المنطقة بمراكز الفعل الدولي، وكان أضعفها مع الاتحاد السوفيتي الذي انغمس لفترة طويلة في إعادة بناء ذاته، دون أن يلتفت كثيراً لما يجري في ساحات نفوذه السابقة ومنها الشرق الأوسط.
لهذا كان واضحاً أن حدود التحرك الروسي في مجلس الأمن لم يكن ليتجاوز الحدود الواقعية المعروفة التي تتحكم بها الولايات المتحدة، فجاءت الحصيلة مجرد بيان غير ملزم لا يزيد في مضمونه عما تنادي به الولايات المتحدة، بشأن الإسراع في تنشيط المفاوضات على أساس رؤية الدولتين أساساً مع ما يلحق من مستلزمات صياغية لا تنطوي على أي قدر من الاستفزاز لا للولايات المتحدة ولا لإسرائيل.
ربما يرى البعض بأن مجرد طرح القضية أمام مجلس الأمن، والتأكيد على التزام المجتمع الدولي برؤية الدولتين يشكل مكسباً للفلسطينيين والعرب، الذين تحدوهم آمال بإعادة الملف إلى الأمم المتحدة وإطارها وعلى أساس قراراتها، وبأن عقد جلسة وزارية خاصة على مستوى مجلس الأمن قد تشكل بداية في هذا الاتجاه.
في الواقع، فإن ما جرى في أروقة المجلس والبيان الذي صدر عنه يفتقر إلى كل هذه الأبعاد، ولولا أن ما طرح ينسجم مع السياسات الجارية في إطار الرباعية الدولية لما حصل البيان بما تضمنه على إجماع أعضاء المجلس بما في ذلك الولايات المتحدة.
حتى إسرائيل لم تبد رد فعل صعب إزاء ما أعلنه المجلس، واقتصر ردها على تعليق مندوبة إسرائيل لدى الأمم المتحدة غابرييلا شاليف التي قالت في بيان «إن بلدها لا تؤمن بأن تدخل مجلس الأمن يساهم في العملية الشرق أوسطية وأن هذه العملية يجب أن تتواصل في إطارها الثنائي بحيث تُترك للطرفين نفسيهما».
الفلسطينيون أيضاً لم يعلقوا آمالاً كبيرة لا على بيان مجلس الأمن، ولا ينظرون إليه إلا من باب كونه يعكس إجماعاً دولياً، على رؤية الدولتين التي ترفضها إسرائيل، وشكل من أشكال الضغط المعنوي على حكومة نتانياهو لا يصل إلى مستوى التفاؤل بإمكانية حدوث تغيير في الموقف الإسرائيلي الذي يشكل العقبة الأساسية أمام معاودة عملية التفاوض من حيث توقفت في عهد الحكومة الإسرائيلية السابقة وإدارة بوش.
وفي الحقيقة فإن إسرائيل تاريخياً لم تبد أي استعداد للتعامل مع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، ذلك أن كل تلك القرارات، لم تناقش في إطار البند السابع، الذي ينطوي على عقوبات في حال عدم تنفيذ ما يتخذه المجلس من قرارات، ومن غير المرجح في ظل الفيتو الأميركي الحاضر دوماً، أن يتم مناقشة أو اتخاذ أي قرار تحت هذا البند، اللهم إلا حين يكون في غير صالح الفلسطينيين والعرب.
ليس هذا وحسب بل إن الولايات المتحدة لن تسمح للأمم المتحدة ومجلس أمنها من أن يلعب أي دور فاعل أو يشكل في يوم ما إطاراً للعملية التفاوضية، ولذلك فإن مبعوث الرباعية الدولية توني بلير يتحدث عن أن الرباعية تعمل من أجل وضع إطار جديد للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية. «بلير يدعو للتفاؤل لأن هذا الإطار يوضع من قبل أعلى مستوى في الإدارة الأميركية وباقي المجتمع الدولي».
الإدارة الأميركية بعد أن استقبلت العاهل الأردني، تستعد لاستقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس المصري حسني مبارك، وقد يتحرك الرئيس أوباما باتجاه المنطقة بعد ذلك.
الملامح الأولية لهذا الإطار تشير إلى أن الإدارة الأميركية تعمل على تنشيط المفاوضات على مختلف المسارات، وبأن تقنع إسرائيل بقبول رؤية الدولتين ولكن بعد أن تقبض ثمن ذلك مسبقاً، والثمن المطلوب تحددت عناوينه الأساسية خلال لقاء الرئيس أوباما مع ملك الأردن.
تطالب الولايات المتحدة بأن تبادر الدول الإسلامية بما في ذلك العربية إلى الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها، والدول العربية لتعديل مبادرة السلام العربية بحيث يتم حذف بند عودة اللاجئين منها، وخلال العمل لتحقيق ذلك يترتب على إسرائيل أن توقف الاستيطان وأن تتخذ إجراءات لتحسين أوضاع الفلسطينيين، أما الفلسطينيون فإن عليهم أن يوقفوا كلياً ونهائياً ما يسمى ب«الإرهاب».
بمعنى آخر، إذا جرى ربط هذا الإطار بتداعياته ومتطلباته وشروطه بالسياسات المرتقبة أميركياً وإسرائيلياً على مستوى المحيط الإقليمي (إيران ـ باكستان ـ أفغانستان ـ تركيا)، فإن الولايات المتحدة تكون بصدد استراتيجية جديدة لإعادة صياغة الأوضاع والقوى في الشرق الأوسط بما يعزز مصالحها ونفوذها، ويقوي موقع إسرائيل وتأثيرها على المستوى الإقليمي، وربما يساعدها على تحقيق ما لا تستطيع تحقيقه. هذا يعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة أشد خطراً مما عرفته سابقاً.
كاتب فلسطيني