تشهد العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية اختباراً مهماً، فهناك نقاط خلاف قوية في طريقها للظهور إلى العلن. هذه النقاط تتلخص في اختلاف الإدارتين الجديدتين حول تشخيص الملف الأكثر أهمية، والأدعى للمواجهة، في الشرق الأوسط: الملف الفلسطيني، أم الملف الإيراني.

1 ـ في الملف الفلسطيني، الرئيس الأميركي الجديد، يرى ان الحل يكمن في دولتين، وهو تكرار لأجندة الرئيس السابق جورج بوش الذي لم يكن جاداً في وضعها موضع التنفيذ. هذا في الوقت الذي تصر فيه الإدارة الإسرائيلية الجديدة على عدم القناعة بهكذا حل، وعلى الرغبة في إبقاء الحال كما هو عليه الآن، والاستمرار في بناء المستوطنات، خاصة مع مجيء اليميني المتطرف ليبرمان ليمسك أهم الحقائب ذات العلاقة بهذا الشأن، وهي الخارجية الإسرائيلية.

2 ـ في الملف الإيراني، إدارة أوباما في طريقها لفتح حوار مباشر مع طهران دون شروط مسبقة، حول برنامجها النووي وحول غيره مما يتعلق بالمصالح الأميركية في المنطقة، تاركة الخيار العسكري على مسافة بعيدة في الوقت الحاضر. هذا في الوقت الذي ترى فيه إسرائيل ان البرنامج النووي الإيراني هو الأكثر خطورة على استقرار الشرق الأوسط.

ففي الثامن عشر من مايو الجاري، يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى واشنطن، للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما للمرة الأولى. وتأتي هذه الزيارة لغرض إقناع الإدارة الأميركية بأولوية مواجهة الخطر النووي الإيراني، الذي يتقدم برأيه على محادثات السلام في الشرق الأوسط. وقد مهدت الحركة الصهيونية لهذا اللقاء كعادتها، مسرحاً كبيراً وملائماً لممارسة الضغوط على الإدارة الأميركية.

فقد عقدت لجنة العلاقات الخارجية الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، أو ما يعرف باللوبي الصهيوني، اجتماعها السنوي في واشنطن في الثالث من مايو الجاري. ويعتبر انعقاد هذا الاجتماع أحد أبرز المناسبات السياسية في العاصمة الأميركية، حيث حضره ما يقرب من 6000 شخص من الناشطين في مجال الدعوة الصهيونية، وعدد من أعضاء الكونغرس الأميركي، وحضره كذلك مسؤولون إسرائيليون سابقون وحاليون.

وفي سياق متصل، قام الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، بزيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي للتأكيد على رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو باتباع خارطة الطريق، متجاهلاً تماماً الحديث عن مشروع الدولتين.

واستهل وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان جولته الأوروبية الأولى، ليكسب حلفاء لموقف بلاده والتأكيد على أن امتلاك إيران لسلاح نووي سيشكل أكبر تهديد للشرق الأوسط. الولايات المتحدة من جانبها قد هيأت مسرحاً آخر لتمرير خطتها، فيه ضغوطات غير مباشرة على إسرائيل وفيه محفزات لها. فقد أصدر مجلس الأمن الدولي، في الحادي عشر من الشهر الجاري، قراراً غير ملزم، بتأسيس دولتين كحل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

كما جاءت تصريحات البابا، في اليوم نفسه، في تل أبيب بضرورة الوصول إلى حل عادل للصراع مع الفلسطينيين وإقامة وطن لهم، من خلال إشارته لوطنين داخل حدود دولية لتأكيد موقف الفاتيكان المؤيد لقيام دولة فلسطينية.

وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن ضرورة توقف إسرائيل عن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، وحذر العاهل الأردني من اشتعال حرب في العام القادم إن لم تتوصل الأطراف المعنية لحل النزاع العربي الإسرائيلي، وتسربت معلومات تفيد ان لدى الولايات المتحدة خطة تقوم جميع الدول الإسلامية، البالغ عددها 57 دولة، وفقها، بالاعتراف بإسرائيل، كبادرة حسن نية من العالم العربي والإسلامي لإقناعها بالموافقة على مشروع الدولتين.

إسرائيل ترى في حيازة إيران، أو أية دولة معادية في المنطقة، للسلاح النووي، إضراراً كبيراً في مصالحها، على مستويات مختلفة، إضافة إلى تهديد أمنها القومي.

1ـ تقلص الهجرة إليها.

2 ـ زيادة الهجرة المعاكسة إلى دول أخرى.

3 ـ تقلص حجم الاستثمارات الخارجية.

4 ـ تحول مواقف المعتدلين في المنطقة إلى مواقف أكثر تشدداً.

5 ـ تراجع فرص السلام مع سوريا.

6 ـ تعزيز موقف الجماعات الإرهابية.

7 ـ تحجيم قدرة الإدارة الإسرائيلية في اتخاذ القرارات مخافة إثارة حفيظة إيران.

ويزداد القلق الإسرائيلي حيال إمكانية حصول إيران على السلاح النووي، من زاوية أخرى، وذلك لأن دولاً عربية سوف تجد نفسها أمام واقع لا مفر من مواجهته والاحتياط لتداعياته. لذلك ستسعى للحصول على سلاح مماثل، مما يطلق سباق تسلح في المنطقة، وتصبح هنالك ترسانات عسكرية نووية في جوارها، أو على مقربة منها، قد لا تكون إسرائيل بمنجى منها في يوم ما. وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها محرجة في مقاربتها لإيران، فهي بالقدر الذي أثارت فيه غضب إسرائيل تركت الدول العربية المعتدلة في حيرة من أمرها مما اضطرها لتوزيع بعض التطمينات هنا وهناك. فقد صرح دينيس روس، المستشار في الخارجية الأميركية، بأن بلاده إن لم تر تغيراً في الموقف الإيراني سوف تعمد إلى تشديد مواقفها منها.

إلا أن هذا التصريح لا يخفف من القلق الإسرائيلي، فالمحادثات مع إيران لن تبدأ قبل أكتوبر المقبل وقد تستغرق شهوراً عديدة، والوقت الذي تكسبه طهران، ثمين جداً، سيساعدها على وضع العالم أمام الأمر الواقع كما فعلت دول أخرى من قبل. ومن جانب آخر قام وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، في زيارته الأخيرة لبعض الدول العربية بتطمين هذه الدول بأن التقارب الأميركي مع طهران، لن يكون على حسابها.

هناك ما يشير إلى أن الولايات المتحدة لن تغير كثيراً في مواقفها، عما كانت عليه إبان إدارة الرئيس بوش، فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

فقد قامت إدارة الرئيس أوباما بالضغط الشديد على الرئيسين الباكستاني والأفغاني مؤخراً لشن أوسع حملة عسكرية ضد مواقع طالبان في الشمال الغربي من الباكستان، وقامت إدارته بتمديد العقوبات التي فرضت على سوريا لعام آخر.

من خلال التجارب المريرة التي مرت بها القضية الفلسطينية، وعلى مدى أمد طويل، ليس من المتوقع أن يبالغ الرئيس الأميركي في الضغط على الجانب الإسرائيلي، فقد كان العرب والفلسطينيون، دائماً، هم من يتعرضوا للضغوط، وهم من تعودوا على الرضوخ إليها. فالخلافات بين الإدارتين، الأميركية والإسرائيلية، قد تعمل، في أسوأ السيناريوهات، على تعكير صفو العلاقات بين البلدين، وليس إلى تصديعها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae