تفاءلت السياسة السورية تفاؤلاً غير مسبوق بمجيء الإدارة الأميركية الجديدة، ذلك أن الموقف السوري التقليدي من الإدارات الأميركية، سواء الديمقراطية منها أم الجمهورية، هو أن سياستها متشابهة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وتجاه الوضع في الشرق الأوسط.

فطالما كانت السياسة السورية تؤكد أن الفرق بين سياسة أية إدارة أميركية وأخرى هو فرق بالدرجة لا بالنوع، فقد غدا من تقاليد السياسة الأميركية الثابتة الدفاع عن إسرائيل والالتزام بأمنها وتأكيد التحالف معها، وبالتالي الامتناع عن الضغط عليها لتعترف بالحقوق العربية، بل تبرير عدوانها وسياساتها المتطرفة والطائشة. ولما فاز الرئيس أوباما بالانتخابات الرئاسية الأميركية عبرت دمشق ـ على غير العادة ـ عن ترحيبها بالإدارة الجديدة مع (بعض التحفظ).

وصرح مسؤولوها بمن فيهم الرئيس الأسد بأنهم متفائلون بأن العلاقات بين البلدين سوف تتطور إلى الأحسن، منطلقين من قناعتهم بأن سياسة إدارة أوباما لن تكون عدوانية كما كانت سياسة بوش، وأنها تأخذ المصالح الأميركية بعين الاعتبار دون أيديولوجيا مسبقة.

كما كان حال سياسة المحافظين الجدد، وبالتالي فإن سياستها الشرق أوسطية ستكون أقرب إلى التوازن، وقدروا أن هذه الإدارة ستبدأ حواراً مع سوريا في فترة قريبة، وعلى أية حال فإنهم صرحوا أكثر من مرة أن السياسة الجديدة لن تكون أسوأ من السياسة السابقة.

وتعزز اعتقادهم هذا بعدما طلبت عدة وفود أميركية زيارة سوريا سواء من الكونغرس أم من مجلس النواب، ثم أخيراً من المقربين من الإدارة الجديدة، إلى أن أرسلت هذه الإدارة قبل شهرين مندوبين عنها أحدهما مساعد وزير الخارجية جيفري فيلتمان والآخر شابيرو من المديرين الهامين بمجلس الأمن القومي، ثم تكررت الزيارة مرة أخرى في الأسبوع الأول من مايو الحالي.

وكان الموفدون الأميركيون يؤكدون بعد كل زيارة أهمية المحادثات التي أجروها وإيجابيتها واحتمال تطوير العلاقات قريباً، إلا أن الذي شكل صدمة بعد ذلك هو أن الرئيس أوباما جدد العقوبات المفروضة على سوريا بعد يوم واحد من عودة الوفد الرسمي من زيارتها، مما يعني أن الإدارة الجديدة لم تغير جدياً سياستها تجاه سوريا حتى الآن، وينبغي أن يكون التفاؤل السوري حذراً بهذا المجال.

الملاحظ أن جولتي جورج ميتشل المبعوث الأميركي المكلف بمتابعة الصراع العربي الإسرائيلي والتسوية الممكنة واستئناف المفاوضات المحتمل، لم تشملا سوريا، لا الأولى منهما ولا الثانية.

كما يلاحظ أن الرئيس أوباما استقبل الملك الأردني عبدالله الثاني في أبريل الماضي وسيستقبل هذا الشهر الرئيس حسني مبارك ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وسيزور القاهرة في مطلع الشهر المقبل، دون أن يكون لسوريا أو رئيسها حظ، لا في جولات ميتشل ولا في دعوات أوباما ولا أخيراً في زيارته المرتقبة، مع أن تسوية الصراع العربي الإسرائيلي ستكون غير ممكنة ولن تكون ثابتة ودائمة وشاملة دون أن تكون سوريا طرفاً فيها، نظراً لأن لسوريا مناطق تحتلها إسرائيل.

وهي معنية مباشرة بالتسوية والصلح، وكان من البديهي أن تأخذ إدارة أوباما الموقف السوري والمصالح السورية بعين الاعتبار. وعلى أية حال فإن الإدارة الأميركية الجديدة تجاهلت سوريا، بل جددت العقوبات المفروضة عليها، وهذا ما شكل حيرة لدى الرأي العام السوري، وخيبة أمل لكثيرين، ولم يخفف منها ما تسرب من أن الإدارة أبلغت سوريا نيتها تجديد العقوبات قبل تجديدها وشرحت لها مبررات ذلك.

ترى السياسة السورية أن مصداقية سياسة الإدارة الأميركية الجديدة ستبقى مدار شك ما لم تعد النظر في علاقتها مع سوريا وتبدأ حواراً جدياً لدراسة جوانب هذه العلاقات المختلفة، وتلغي العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية المفروضة على سوريا، وتعيّن سفيراً لها في دمشق بعد أربع سنوات من سحب سفيرها، وتكف عن المبالغة بمطالبة سوريا بدفع ثمن لعودة العلاقات.

وخاصة تلك المطالب التي تراها سوريا عبثية كطرد قيادات المنظمات الفلسطينية من دمشق، أو إعادة النظر في علاقتها مع إيران بما يرضي الولايات المتحدة وإسرائيل، أو التضييق على حزب الله وعلى حلفائها في لبنان، أو تلك التهم التي تكذبها سوريا دائماً وعلى رأسها دعمها لـ«الإرهاب» في العراق وفتحها طريقاً لتهريب الأسلحة إليه، أو تسهيل مرور المسلحين.

إن خطوات الإدارة الأميركية المقبلة تجاه العلاقات مع سوريا، في نظر القيادة السورية هي معيار مصداقيتها ومدى تصديق مزاعمها في تبني سياسة جديدة، وما زالت تأمل ألا يكون تجديد العقوبات مؤشراً على السياسة الأميركية المقبلة، وأن يكون فقط إجراء «روتينياً» كما أبلغتها الإدارة الأميركية، في انتظار إعلان سياسة شرق أوسطية جديدة متكاملة وشاملة.

وتطمئن السياسة السورية إلى حتمية اكتشاف الإدارة الأميركية الجديدة صعوبة الوصول إلى أية تسوية مستقرة ودائمة بدون سوريا، وأن التسوية الفلسطينية الإسرائيلية لن تحقق الاستقرار وحدها، فالانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها الأراضي السورية، هي الشرط الذي يصعب تجاهله في أية تسوية، وبالتالي يصعب تجاهل سوريا ومصالحها والحوار ثم المفاوضات معها.

ما زالت السياسة السورية تأمل أن تتصف مواقف الإدارة الأميركية المقبلة بشيء من الواقعية وبعد النظر، والابتعاد عن الالتزام المطلق والمسبق بالغلو الإسرائيلي والعداء المسبق للسياسة السورية الذي اختطته سياسة إدارة الرئيس بوش، والتعامل معها وكأنها جزء من المشكلة الإيرانية وأنها تقع على هامش هذه المشكلة.

وتؤكد السياسة السورية أنها ليست صدى لسياسات الآخرين أو منّفذاً لها، وإنما لها استقلاليتها ومصالحها وعلى رأسها العمل لتحرير الأراضي السورية المحتلة. واستجابة لهذا الأمل وفي إطار هذه الرؤية، كان رد الفعل السوري على تجديد العقوبات هادئاً ومتراخياً، على عكس ردود الفعل التقليدية التي تعودناها من السياسة السورية.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org