لاشك أن الكرملين يدرك منذ فترة طويلة أهمية تحديث وتطوير القوات الروسية، خاصة بعد أن أصبح زحف الناتو شرقا ونحو أقاليم القوقاز ووسط آسيا ليس مجرد تحرك سياسي وإنما بدا يصبح عسكريا، ويهدد بمواجهات محتملة مستقبلا، خاصة عندما يجري الناتو مناورات مشتركة مع جيش دولة مثل جورجيا كانت تحارب روسيا منذ بضعة أشهر قليلة.

ومنذ ربيع العام الحالي دعا الرئيس ديمتري مدفيدف إلى ضرورة وضع كافة قطاعات الجيش في حالة التأهب الدائم ووعد بعدم تقليص موازنة التسليح العسكري بالرغم من ظروف الأزمة الاقتصادية.

مشيرا إلى أن وجود إمكانية لتفجر صراعات في عدد من المناطق بالعالم مازالت قائمة، كما تستمر التهديدات والمخاطر التي تسببها الأزمات المحلية وقوى الإرهاب الدولي، إضافة لاستمرار توسع الناتو بالقرب من الحدود الروسية. ما يعنى ضرورة تطوير القدرات العسكرية والجاهزية القتالية والتي يجب أن تشمل أساسا القوات النووية الإستراتيجية. حيث أن القوة النووية لابد وأن تضمن تنفيذ كافة المهام المتعلقة بحماية أمن روسيا.

وعلى أعتاب الاحتفالات بأعياد النصر جدد الرئيس ميدفيديف تمسك الكرملين بضرورة أن تكون القوات المسلحة الروسية مستعدة لصد أي عدوان ضد مواطني روسيا الاتحادية. وأضاف أن روسيا تواصل تحديث وتعزيز قواتها المسلحة التي يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن سيادة روسيا وأمن مواطنيها، وصد أي عدوان يوجه ضد المواطنين الروس. وذكر ميدفيدف بأهمية تقدير واحترام مساهمة الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، وقدرته على دحر النازية، وانقاذ البشرية من أخطارها وأهوالها.

ولاشك أن روسيا اليوم تحرص كل الحرص على منع نشوب حروب جديدة، وتبذل جهودا مكثفة من أجل إنشاء منظومة شاملة للأمن في العالم. ونذكر في هذا السياق مبادرة الرئيس ميدفيديف الخاصة بإعداد وتوقيع معاهدة شاملة حول الأمن الأوروبي التي يجب أن تتضمن آليات رقابة على التسلح والبناء العسكري، وآليات وإجراءات للتعاون في اتجاهات مهمة كمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب وتجارة المخدرات غير الشرعية.

إلا أن تنفيذ سياسات موسكو يتطلب أيضا تحديث قدرات روسيا العسكرية، ليس بهدف تطبيق مبدأ الردع المتبادل فحسب والذي عادة ما يؤثر باتجاه تحريك العملية التفاوضية في هذا الإطار، وإنما حتى تكون روسيا قادرة على حماية مصالحها أيضا. ويبدو أن حرص القيادة على مواصلة خطط إعادة بناء القوات الروسية تنطلق من هذا المفهوم.

ولكنها أيضا تواجه مهمة صعبة التنفيذ. حيث تبلغ حصة الإنفاق العسكري من الموازنة الحكومية أكثر من خمسة وأربعين مليار دولار بزيادة تصل إلى خمسة وعشرين في المائة عن العام الماضي، وتشكل بنود التسليح فيها حوالي عشرين مليار سنويا. ومع ذلك مازال حجم عمليات تحديث وتطوير أسلحة الجيش الروسي لا يزيد على 25%، ومازالت الأسلحة الأساسية لدى الجيش من تلك التي تم تصميمها وتصنيعها في العهد السوفييتي.

وفى نفس الوقت الذي يعتقد اتجاه داخل السلطة الروسية أن مساعي الولايات المتحدة لفرض هيمنتها عالميا، وتوسيع وجودها في وسط آسيا والمناطق المجاورة لروسيا لا تستهدف فقط السيطرة على موارد الطاقة في هذا الإقليم وإنما تعمل على إزاحة روسيا من فضاء مصالحها التقليدية. مازالت عملية تحديث القوات متعثرة ليس فقط بسبب الأزمة المالية العالمية التي لم يكن لها تأثيرا كبيرا على الموازنات العسكرية.

وإنما بسبب الارتباك وعدم الاستقرار الذي تمر به المؤسسات الإنتاجية في المجمع الصناعي العسكري، والتي تشهد تغييرات جذرية، ويطلب بها اعتماد عائدات التصدير كأساس للتمويل ثم تفرض عليها قيود وتتوقف مشروعاتها الخارجية دون أسباب مفهومة.

لاشك أن تحديث وتطوير القوات الروسية أصبح حاجة ملحة لضبط الأوضاع في وسط آسيا والقوقاز، وإحلال الأمن والاستقرار في هذه المناطق، وبدلا من استخدام العنف سيكون تطوير القدرات العسكرية الروسية الأداة الرادعة التي ستلجم النوايا العدوانية لعدد من القوى في هذه المناطق. ولكن الحالة التي تشهدها المؤسسات المنتجة في المجمع الصناعي العسكري لا تبشر بإمكانية تسليح القوات الروسية بمعدات وأسلحة حديثة. ويحتاج الأمر إلى دراسة جادة للنهوض بهذا المجمع.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru