السياسة عند البعض فن تحصيل أقصى الممكن. ولا يوغل في سوء النية من يصفونها بعمليات الكيد والتآمر.. فهي لا تصنع في الهواء الطلق. أصحاب التعريف الأخير يتساءلون عن علة اندياح ظاهرة القرصنة على سواحل الصومال بوتيرة عالية في فترة قياسية، ويستهجنون السهولة التي يصطاد بها القراصنة سفناً تبدو لضخامتها كالمدن العائمة، ويسوقونها صاغرة إلى حيث يريدون ثم عليها يساومون.

في تعبير موح عن هذه الأحجية صور مبدع كاريكاتير ناقلة عملاقة، يهددها قارب متصدع لا يكاد إلى جوارها يبين، عليه رجال يرتدون أسمالاً ويعانون من هزال يثير الشفقة!. إحالة الظاهرة إلى غياب الدولة في الصومال لا يكفي لفهمها وتسويغها.. فقد مر على هذا الغياب وتوابعه من كل أشكال الفوضى ما يقارب العقدين.. فلماذا الآن؟!

يهمس التآمريون بأن قراصنة الصومال، الذين أثاروا خيال الناس وفضولهم في البر والبحر، إنما هم عملاء مأجورون للقوى الدولية الطامحة للحلول بقواتها وقواعدها في القرن الافريقي وبأساطيلها في جنوب البحر الأحمر وبحر العرب، بذريعة تأمين الملاحة في منطقة شديدة الحيوية بالنسبة لاقتصاداتها. لا تبدو هذه المقاربة بعيدة عن منطق السياسة الدولية وأساليب المتربصين بمنطقة ما. فقبل تسعمئة عام غزت أوروبا المشرق العربي واحتلته بزعم حماية الحجيج إلى المقدسات المسيحية.

وفي مرحلة أقرب مازالت ممتدة إلى ساعتنا هذه، استزرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي تحت عنوان حماية الطريق إلى الهند درة التاج الاستعماري البريطاني وتدفق الملاحة في قناة السويس.

العلاقات الدولية بتعقيداتها تعرف منطقة التمويه وإخفاء الأهداف التوسعية وراء أقنعة نبيلة المظهر.. ولكن هل تحتاج القوى المستحوذة على القوة اللازمة للتوسع في منطقة القرن الإفريقي وجواره إلى التوسل بالقرصنة سبيلاً لتحقيق أهدافها؟.

وإذا استبعدنا الولايات المتحدة كفاعل مستقر في هذه الدائرة، ترى هل تتجه شكوك التآمريين إلى القوى البازغة، ذات الطاقة الاقتصادية اليافعة كاليابان والصين والهند، التي تتلمس طريقها إلى إطلالة عسكرية واستراتيجية موازية؟!..

وهل لإسرائيل ضلع فيما يجري؟ لاختبار صحة هذا التفكير قد يتعين رصد تحركات القوى التي تطوعت بملاحقة القراصنة، وحجم ونوعية انتشارها والمدى الزمني المحتمل لهذا التحرك والانتشار وعلاقاتها بالدول المجاورة لنشاط القراصنة، ومستوى التلازم بين حلول القوافل العسكرية لهذه الدول، براً وبحراً، وبين استمرار ظاهرة القرصنة من عدمها.. وفي كل حال، نحن بصدد مسألة محيرة بالفعل.

mohamedalazzar@hotmail.com