إعلان الحكومة الجورجية عن إحباط محاولة انقلاب عسكري لعزل الرئيس الجورجي ساكاشفيلي، واتهام روسيا بدعم المجموعة الانقلابية أثار شكوك العديد من المحللين والسياسيين.

ولا يستبعد أحد أن تتعرض جورجيا إلى محاولات انقلابية، خاصة أن البلاد تعيش حالة من الغليان السياسي غير المسبوق، والذي يتمثل في إجماع المعارضة على ضرورة إقالة الرئيس الحالي ساكاشفيلى.

إلا أن فكرة تورط روسيا في الصراع السياسي الداخلي الدائر بهذا الشكل السافر أثار الشكوك، ودفع للاعتقاد بأن ساكاشفيلى تعمد تفجير هذه الأزمة على أعتاب مناورات الناتو على أراضي بلاده والتي تواجه اعتراضات صريحة من جانب روسيا بهدف تصعيد حالة التوتر وربما الوصول لصدام عسكري ضد القوات الروسية المتواجدة في اقليميى آوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وربما أيضا بهدف التمكن من إعلان حالة الطوارئ في البلاد لمواجهة المعارضة المحتشدة في الشوارع.

وكما هو الحال في أوكرانيا، يتم اتهام أي معارضة للرئيس بالتبعية لروسيا، فإذا كانت بعض القوى الأوكرانية المعارضة ترى في التحالف مع روسيا ضرورة إستراتيجية.

فإن الوضع معاكس في جورجيا، حيث تشكل القوى اليمينية أغلبية كتلة المعارضة الجورجية، وتقود هذا المعارضة نحو إقالة الرئيس ساكاشفيلى. ما يعني أنه ليس لروسيا مصلحة في استبدال هذا بذاك لأن الرئيس القادم سيكون مواليا للغرب، وستبقى الملفات الخلافية مفتوحة وبدون تسويات.

زعماء المعارضة وقواعدها تؤيد انضمام جورجيا إلى حلف الناتو، حيث أيد أكثر من 70% من المواطنين طلب الحكومة بالانضمام لحلف شمال الأطلسي. كما أن قيادة المعارضة الجورجية لا تعترف باستقلال إقليمي اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وتطلب باستعادة السيادة الجورجية على أراضي الإقليمين.

من جهة أخرى أكدت روسيا أن هدفها الأساسي إحلال الأمن والاستقرار في القوقاز، وأنها تبذل ما بوسعها حتى لا يتكرر في القوقاز ما حدث في أغسطس الماضي عندما تعرضت أوسيتيا الجنوبية لعدوان جورجي. ومن أجل ذلك تتولى روسيا المسؤولية عن تأمين حدود أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا مع جورجيا إلى أن يتم إنشاء قوات حرس الحدود في هاتين الجمهوريتين، بموجب الاتفاقيتين اللتين وقعتهما روسيا وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في 30 ابريل المنصرم.

لذا يبدو واضحا أن الرئيس الجورجي الذي يواجه هجوما قاسيا ـ كما هو حال زميله الأوكراني فيكتور يوشينكو ـ من كافة أطراف المعارضة باختلاف تياراتها واتجاهاتها يحاول إيجاد عدو خارجي ليطيل عمره قليلا على مقعد الرئاسة.

وقد كشفت مصادر جورجية عن أن مؤامرة الانقلاب العسكري، والتي أسفرت عن اعتقال عدد من العسكريين الجورجيين، استهدفت أيضا قطع الطريق على تحالف المعارضة الجورجية مع قطاع من العسكريين، والذي كان سيحسم المعارك السياسية الدائرة في البلاد.

ويبدو أن الغرب اليوم غير مستعد لسيناريو استبدال ساكاشفيلى، لذا فإن بقاءه في السلطة لمدة عام أو عامين أصبح أمرا مطلوبا، إلا أن تنامي نفوذ المعارضة وتوسعها في مختلف قطاعات المجتمع لا يقلل من خطر عزله خلال هذا العام.

وهو خطر يجب أن يتعامل معه ساكاشفيلي بنفسه دون الاعتماد على الغرب.لذا كان لابد من عزل القطاع العسكري عن مجموعات المعارضة، وإيجاد عدو خارجي لتلتف مجموعات النخب السياسية والعسكرية حول ساكاشفيلي. وهو ما يسعى لتحقيقه من خلال ما اعتبره محاولة انقلاب عسكري بدعم من روسيا.

ومحاولات يوشينكو في أوكرانيا لم تختلف في جوهرها كثيرا عن مساعي ساكاشفيلي، فقد حاول أن يعزل المعارضة بتهمة التبعية لروسيا، ثم سعى لإشعال خلافات ذات طابع عسكري مع الروس بدءا من الحديث عن ضرورة مغادرة الأسطول الروسي لقاعدته المؤجرة في ميناء سيفاستوبول، وانتهاء بدعم جورجيا في حربها ضد روسيا عسكريا وسياسيا.

إلا أن كل محاولات يوشينكو ذهبت أدراج الرياح. والحقيقة أن شعوب المنطقة أدركت زيف شعارات ممثلي الغرب وواشنطن بالتحديد، وبدأت تطالب بحل مشاكلها المعيشية. بعد أن فشل البرتقاليون والورديون في إخراج هذه البلاد من أزماتها.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru