نسمع بين الفينة والأخرى أن الممثلة الهوليوودية الفلانية قامت بالإضراب عن الطعام، فقط من أجل عيون صغار دارفور الذين يموتون جوعاً، وتضامناً مع الإنسانية في غفوتها عن هذا الشعب الذي يعاني نقصاً في مساعدات الإغاثة منذ قرار الحكومة السودانية طرد عدد من منظمات الإغاثة الأجنبية، كما ويصادف أن نقف على بعض الأخبار التي ترصد زيارات الهوليووديين إلى دارفور في محاولة دائمة للتعبير عن رغبتهم في وضع نهاية تحد من تفاقم الأوضاع المأساوية لأبناء دارفور، من خلال تبني مشروعات يعود ريعها لهذا الشعب المنكوب.

ويأخذنا العجب ويرجعنا دون أن يتغير الإحساس بالدهشة تجاه هؤلاء الذين يتكبدون عناء غير مجبرين عليه ولا هم بحاجة إلى شهرة تضاف إلى عالميتهم، وإنما هو حس المسؤولية تجاه ما يحدث في بقعة من العالم يموت فيها الإنسان كما يموت البعير الأجرب، منبوذاً ومحروماً والعالم يتفرج على مأساته دون أن تكون آخر همه، ولا سيما العالم العربي الإسلامي الذي يتوحد مع دارفور في الدين والدم.

ولم نسمع لا من قريب أو من بعيد أن هناك من حمل روحه على كفه مخترقاً الحواجز كي يعبر عن صرخة الشارع العربي وعلى كافة الأصعدة، وربما من المحبط أن يكون الشعور بالأمان في أحضان الغريب هو آخر تمنيات الدارفوريين، ولكن تبقى هذه هي الحقيقة فأغلب المنظمات التي كانت تنشط وتعمل في دارفور هي منظمات أجنبية ليست عربية ولا حتى إسلامية.

ورغم ذلك كانت تؤدي دوراً في مساعدة أبناء الإقليم الذي يرزح تحت وطأة الحرب والجوع والمرض، وتأميمها كما حدث إثر صدور مذكرة اعتقال الرئيس السوداني ليس مبرراً، بخاصة إذا كنا لا نأخذ البريء بذنب لم يرتكبه، وربما كان استيعاب هذه الحقيقة سبباً في السماح لعودة منظمات إنسانية أجنبية للدخول إلى الإقليم مرة أخرى، رغم استبعاد المنظمات التي سبق وان عملت هناك بحجة تورطها في أعمال خارج نطاق عملها.

ولكن يبقى التساؤل لماذا لا توجد طريقة للفصل بين أحقية شعب الإقليم بالمساعدات وأحقية الحكومة السودانية في الاحتجاج على مذكرة الاعتقال الصادرة في حق الرئيس، ولماذا لا توجد وسيلة أخرى تضمن عدم التضحية بتأمين مساعدات لم يستطع السودان نفسه أن يقدمها لشعبه الدارفوري؟

ولعل تفاؤل السودان باستقبال مبعوثين أميركيين في وقت قصير ومتوال، يعطي الانطباع أن قضية دارفور في سبيلها للانفراج، وكما أشار وزير الخارجية السوداني «دينق ألور» في تعليقه على زيارة مبعوث أوباما «غريشن» ومن قبله السيناتور جون كيري، بأنها «تعطي دفعة قوية لحالة الحراك الإيجابي في علاقة الخرطوم وواشنطن».

وكأن العلاقات السودانية الأميركية تأخذ منعطفاً جديداً بعد سياسة الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، بعدما تحولت سياسة المواجهة والضغوط التي كانت تمارسها إدارة سلفه جورج بوش إلى سياسة مرنة تقوم على الحوار الدبلوماسي الهادئ، إضافة إلى أن الولايات المتحدة قد ألمحت أكثر من مرة إلى أنها غير معنية ولا تخضع «لواجب قانوني» يملي عليها العمل على اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير.

ورغم ذلك تبدو الولايات المتحدة الآن أكثر حرصاً لوضع نهاية لمأساة دارفور التي كانت مسرحاً للدمى تحركه الأطراف المتناحرة، مما أفرز 300 ألف قتيل و7 ,2 مليون نازح حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة التي تعتبر أزمة دارفور من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها العالم في الوقت الراهن.

ورغم إعلان السودان استئناف توزيع بعض المساعدات الإنسانية الأجنبية في إقليم دارفور، إلا أن جون كيري رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأميركي يرى أن الاستئناف الجزئي للمساعدات ليس كافياً لمواجهة الوضع الإنساني في الإقليم، ولا يزال الوضع غير متواز مع أدنى احتياجات سكان الإقليم، فقد كانت مجموعة من هيئات الإغاثة الإقليمية والدولية والتي عملت على إيصال المعونات للنازحين ولمن بقوا منهم في ديارهم في دارفور، يقولون إنهم لا يحصلون على الدعم المادي الكافي من المجتمع الدولي.

إضافة إلى أن السلطات الإدارية السودانية كانت تغلق المناطق المؤدية إلى دارفور من خلال فرضها شرط الحصول على تأشيرات سفر لمن يودون الدخول إلى الإقليم واستخدام عراقيل بيروقراطية أخرى عليهم.

وكما يقال «لا يرحم ولا يترك رحمة ربنا تنزل» فان هذه العقبات ساهمت بشكل أو آخر في تفاقم الوضع المزري في الإقليم، ولعبت دوراً في عدم إنقاذ الكثيرين وبخاصة الأطفال والنساء الذين يتعرضون لأنواع العذاب بمجرد محاولتهم البحث عن الماء والحطب، فمجموعات النهب المسلحة التي تتجول خارج المعسكرات تثير الرعب إذ يقول سكان دارفور إن الرجال منهم يتعرضون للقتل بينما تتعرض النساء للاغتصاب.

إن محادثات السلام التي تقام هنا وهناك بحثاً عن حل جذري للقضية تجعل البعض متفائلاً بانفراج قريب، ويعوّل البعض على بعض النشطاء الغربيين والدارفوريين في الضغط على الإدارة الأميركية الجديدة لوضع القضية في أجندتها، والذين تقدموا بمذكرة إلى الرئيس باراك أوباما لوضع حد للمأساة الإنسانية في الإقليم وإدراجها في قائمة أولويات السياسة الأميركية بحسب رأيهم.

لكن خبراء سياسيين لم يستبعدوا أن يؤثر صقور واشنطن في موقف الإدارة الجديدة من القضية إذا لم تستغل الخرطوم الخطوات الإيجابية الأخيرة لإدارة أوباما، فالأنظار الآن تتجه إلى السودان الذي من الأجدر والأجدى لمصلحة السودان ووحدته الوطنية أن يتعامل بكثير من الجدية مع الحكومة الجديدة، قبل أن يتحرك نشطاء الحرب لدفع الإدارة الأميركية إلى اتخاذ إجراءات جديدة مخالفة لما هو قائم الآن، فالبعض يطالب أوباما بالمساهمة في تسليم الرئيس البشير ويرون أنه دون عدالة لن يوجد سلام.

كاتبة اماراتية

m.alemarat@gmail.com