أجرى رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان تعديلا واسعا على حكومته، عين بموجبه وزير الخارجية علي باباجان وزيرا للاقتصاد بينما سيتولى الخارجية أحمد داود أوغلو مستشار أردوغان للشؤون الخارجية. كما أقال إردوغان نحو ثلث وزراء حكومته فيما وصف بأنه اكبر تعديل منذ وصول حزبه العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002.

وبالطبع فان لدى اردوغان أسبابه لأجراء هذا التعديل، لعل في مقدمتها انه فهم الرسالة التي وجهها له الناخب التركي عبر الانتخابات المحلية التي أجريت منذ أسابيع، حيث تراجعت النسبة التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية عدة نقاط بما يؤكد أن الناخب غير راض عن أداء الحكومة خاصة فما يتعلق بالاقتصاد على وجه الخصوص.

ذلك أن الاقتصاد التركي يعاني حاليا انكماشا بنسبة 6% العام الحالي بسبب تبعات الأزمة المالية التي أدت إلى تراجع الصادرات التركية والطلب المحلي بينما وصلت البطالة إلى مستويات مرتفعة بلغت نحو 15.5% حسب التقديرات الدولية. من هنا لم تخطئ توقعات المراقبين حول الدور المنتظر من الحكومة التركية بعد إجراء التعديل عليها، وعلى الأخص المهمة الملقاة على عاتق وزير الاقتصاد الجديد.

حيث ستكون أمام باباجان مهمة إنقاذ الاقتصاد التركي من شبح الركود المتوقع خلال هذا العام بسبب الأزمة العالمية. وقد قوبل قرار توليه حقيبة الاقتصاد بترحيب في الأسواق التركية خاصة وأنه ساهم من قبل خلال توليه الوزارة نفسها بين عامي 2002 و2007 في إنقاذ الاقتصاد التركي من الأزمة الشديدة التي تعرض لها عام 2001.

أما السبب الثاني الذي دفع اردوغان إلى إجراء التعديل فيتعلق بالتوجهات المتوقعة من تركيا فى الفترة المقبلة على صعيد علاقاتها الإقليمية، ذلك أن العديد من المهتمين بالشأن التركي رأوا فى تعيين وزير الخارجية الجديد أحمد داود أوغلو الذي يوصف بأنه مهندس السياسة الخارجية التركية.

وهو أستاذ في دراسات الشرق الأوسط ومن أبرز المستشارين المقربين من اردوغان، بمثابة رغبة من تركيا فى أن تكون أكثر ايجابية فى تعاملاتها مع قضايا المنطقة المحيطة بها.

وقد أثار تعيين أوغلو التساؤلات بشأن إمكانية اهتمام الحكومة التركية في الفترة المقبلة بملف الشرق الأوسط على حساب مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتجدر الإشارة إلى أن أوغلو يعرف بأنه صاحب مبادرة قيام تركيا بدور الوسيط للسلام في الشرق الأوسط.

وبفضل مبادرته أجرى دبلوماسيون سوريون وإسرائيليون 4 جولات من المحادثات غير المباشرة عبر الوسيط التركي عام 2008 في اسطنبول لمحاولة التوصل إلى اتفاق بين البلدين.

وهذا التعديل يمكن التعامل معه باعتبار انه خطوة من رجب طيب اردوغان لان يدشن دورا اقليميا جيدا لتركيا تسعى فيه لان تصبح ذات دور مركزي فى تفاعلات المنطقة، ولان تكون هي جسر التواصل بين الدول الإسلامية والغرب، وهو الأمر الذي مهدت له وسعت إليه كافة الحكومات التي شكلها حزب العدالة والتنمية منذ عام 2002 وحتى الآن.

وبالطبع هناك من المحللين من يرى أن هذه الخطوة لن تتعدى أن تكون رمزية بالنظر إلى أن اردوغان يعتمد فى سياسته على المستشارين المقربين منه أكثر من اعتماده على الوزراء، وهذة الخطوة الرمزية تهدف فقط إلى تنشيط حزب العدالة والتنمية والى معاقبة بعض القيادات بعد الانتخابات البلدية التي جرت في مارس الماضي.

ولم يحقق فيها حزب العدالة والتنمية النتائج المرجوة رغم فوزه بها. وبالتالي فان الأمر المؤكد هو أن مستشار رئيس الوزراء الذي أصبح وزيرا للخارجية سيكون هو فقط المنوط به تنفيذ ماهو متوقع فيما يتعلق بالسياسة الإقليمية ولكن باقى الوزراء ستكون مهمتهم مشتركة مع مستشاري رئيس الوزراء التركي.

وثالث الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء التركي إلى إجراء تعديل على حكومته يتعلق بحزب العدالة والتنمية ذاته وتوازنات القوى داخله، ذلك أن العديد من المحللين رأوا في خطوته بتعيين على باباجان وزيرا للاقتصاد هو انه يضعه فى مقدمة المرشحين الحزبيين لخلافته شخصيا، أو من أجل أن يصبح مهيأ لأن يترشح في المستقبل رئيسا للجمهورية عن الحزب خلفا للرئيس الحالي عبد الله جل بعد أن تنتهي ولايته الرئاسية.

وهذا الأمر يعني أن رئيس الوزراء التركي يجري حاليا ترتيبات داخل الحزب من أجل إعادة ترتيبه وفقا لمتطلبات المرحلة المقبلة. وهذا التعديل الوزاري يمكن أن يضخ المزيد من الشعبية للحزب، خاصة وأن استطلاعات الرأي التي أجريت فى تركيا فى الفترة التي سبقته أكدت أن شعبية الحزب آخذة فى التراجع، وبدا الحديث عن القوى السياسية المحتمل أن تملأ الفراغ الذي سينشأ عن تراجع الحزب.

وهو ما دفع رئيس الوزراء إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف التراجع ووقف التكهنات التي نجمت عنه، وكانت فى معظمها حول القوى المرشحة لأن تحل محله وهذه القوى المرشحة تمثل التيار القومي المتطرف الأمر الذي يمكن أن ينتج عنه آثار سلبية على السياسة التركية فى المستقبل.

وحتى الآن لم يتضح ما إذا كانت الأهداف التي سعى إليها رئيس الوزراء التركي من التعديل الوزاري قد تحققت أم لا، حيث إن الوقت غير كاف لمعرفة مدى نجاحهم فى مهامهم، كذلك لم تجر استطلاعات رأي حول الحكومة بعد تعديلها.

ولكن المغزى الاساسي من التعديل هو أن الحزب يحاول أن يلملم نفسه ويتصدى لأى قصور يمكن أن يؤثر علية لدى الناخبين، ويسعى فى نفس الوقت إلى تطبيق سياسة إقليمية تختلف عن السياسات الحذرة التي اعتادت تركيا عليها فى المنطقة على مدى تاريخها منذ سقوط الدولة العثمانية.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com