نحن في منتصف عام 2009 ومازالت هناك مسائل عدة تعيد طرح نفسها علينا منذ الطفرة العمرانية التي تشهدها الدولة منذ فترة وجيزة في كل مدنها. بالطبع هناك أسئلة أساسية حول مناهج التعليم في دولة الإمارات، وخطط وزارة الصحة، وبرامج التنمية، والتوظيف والتوطين وغيرها.. ولكن تبقى برامج التخطيط العمراني والحضري أهمها على الإطلاق.
سوف يستغرب البعض من أن برامج التخطيط العمراني تسبق مناهج وخطط التعليم والصحة والتنمية. ولكنه قد يقتنع تماماً بهذا التصنيف لو سألته مثلاً: (كيف تتوقع وصول ابنك لمدرسته أو لجامعته بعد عشر أو عشرين سنة قادمة؟ و
ما هي المدة الزمنية التي ستلزم ابنك لقطع مسافة عشرة كيلومترات؟ وهل ستكون هناك وسائل مواصلات أخرى غير السيارات الخاصة (كمترو الأنفاق) ستسهل له الأمر؟ وأين ستكون مواقع الجامعات بعد ثلاثين سنة؟ وكيف ستصل سيارات الإسعاف إلى موقع المريض في خطر إن لم تكن هناك شوارع سهلة الاستخدام، وكيف تكون هناك تنمية اقتصادية وسياحية ولا توجد بنية تحتية؟) إلخ.
أي أن التحصيل العلمي والخدمات الصحية والخطط التنموية ستتقدم أو تتأخر بناءً على التخطيط العمراني. ورغم عدم إطلاعي بشكل مفصل أو دقيق على مخططات إماراتنا السبع للسنوات الخمسين القادمة إلا أنه من المهم مناقشة الأمر وكأننا نبدأ من الصفر.
لنضرب مثلاً على دولة سبقتنا بفترة زمنية طويلة في هذا الأمر، فرنسا، على سبيل المثال. وبصورة أكثر تحديداً العاصمة (باريس).
لا أحد يجهل أحد أهم وأقدم المراكز التجارية في باريس: غاليري لافييت، ولا برنتان. فكم منا زار هذين المركزين اللذين لا يهدآن دقيقة واحدة من دخول وخروج المشترين القادمين من كل أرجاء العالم.
ولكن قد يغيب عن بال هؤلاء (ومنهم نحن) السؤال عن اسم الشارع الذي يقع فيه هذان المركزان. ولكن بالنسبة للمواطن الفرنسي فإن بوليفار هوسمان يعتبر شارعاً تاريخياً. ليس الشارع نفسه ولكن الاسم الذي يحمله هذا الشارع.
والذي يزور باريس يعتقد ان شوارعها قد تم تخطيطها ثم شقها قبل عشر سنوات! فكيف يحدث ألا يوجد أي نوع من الاختناقات المرورية في شوارعها رغم عدد سكانها الذي يصل إلى أكثر من مليوني ساكن، والذين يتضاعف عددهم خمس مرات في الصباح الباكر إلى حين نهاية العمل، بسبب توافد العاملين والموظفين والعمال والطلاب القادمين من مختلف الضواحي القريبة والبعيدة؟
إنها ليست عصا سحرية، وإنما روعة ودقة التخطيط وبعد نظر رجل تم تعيينه لهذا الغرض. وكثيراً ما يربط الباريسيون بين الثورة الفرنسية عام 1789 وثورة التخطيط التي أحدثها عام 1852 الوالي البارون جورج هوسمان.
وبالفعل فإن الدراسة المستفيضة التي عكف عليها هوسمان لإعادة تخطيط مدينة باريس التي نراها اليوم حولتها من عاصمة سياسية إلى عاصمة اقتصادية. وهذا هو مربط الفرس. فمن منا فكر في أن هندسة المدن قد تغير مصيرها وهدفها؟ نحن نخطط شوارعنا لخمس أو عشر سنوات قادمة لا أكثر، ولكننا ما أن ننتهي من رصف الشوارع حتى تكون السنوات الخمس قد انتهت وما عادت الشوارع صالحة لحل المشكلة.
ونخطط مدننا وكأنها قائمة لسنة واحدة أو سنتين، وبعد خمس سنوات نكتشف كم كنا مخطئين في تقديراتنا أثناء التخطيط. لا يوجد في باريس جسور علوية وسفلية وفوقية حلزونية ودائرية ومتداخلة داخل المدينة نفسها ما عدا تلك التي تربط بين ضفتي نهر السين، ولا نجد أعمال تشييد جديدة: كل شيء تم قبل أكثر من مئة سنة وانتهى، طرق، مبان، مؤسسات حكومية، هيئات، خدمات عامة حتى أن باريس لم تجد حاجة في تطبيق نظام سالك إلا على الشوارع الخارجية السريعة لاستعادة تكلفتها وصيانتها وتخفيف الضغط عليها.
فكيف استطاع هذا الوالي أن يكون خلف كل ذلك منذ عام 1860 دون الحاجة لتشييد جسر إضافي واحد بالرغم من مرور 150 عاماً على مخططاته؟ تخصص هوسمان في الشوارع العريضة والواسعة والمستقيمة والتي يطلق عليها إما أفينيو أو بوليفارد، حتى استحقت باريس لقب عاصمة الدنيا. والفكرة لم تأت من خيال وإنما من طلب ملح. فباريس فيما يبدو كانت قائمة حتى ذلك التاريخ على تخطيط عشوائي يعود للعصور الوسطى: شوارع ضيقة وقاتمة وغير صحية.
وأثناء زيارة نابليون الثالث للعاصمة لندن، بهر بتخطيطها. وكانت الانطلاقة. وها نحن نطير إلى باريس ونجري إلى شارع الشانزليزية ونقضي كل وقتنا فيه جيئة وذهاباً أو في مقاهيه أو محلاته ومراكزه دون الشعور بالضيق والملل. لكننا لم نكلف أنفسنا عناء السؤال عمن يا ترى يقف خلف هذا السحر الرائع من التصميم والتخطيط والتنظيم؟
وكيف نجح هؤلاء قبل 150 سنة دون أن نفكر في مجاراتهم ونحن في الألفية الثالثة؟ صحيح أن لدينا شوارع كثيرة وواسعة، ولكن معظمها مخصصة للانتقال بالمركبات، بينما شوارع باريس تتميز بأنها للتسوق والتنزه والانتقال بل والانتقال بكل سلاسة من رصيف لآخر مشياً على الأقدام دون حاجة إلى جسور أو أنفاق للمشاة.
ويقال ان هوسمان أعاد تخطيط ما نسبته 60% من مدينة باريس القديمة. ولولا هذا الوالي فلربما لم تعرف باريس عالميتها ولا شهرتها.
وإذا انتقلنا إلى دولتنا، فإننا سنجد مدناً في حاجة إلى عشرة ولاة من أمثال هوسمان لإعادة تنظيمها وتخطيطها، بحيث تراعى فيها الشروط الثلاثة: الاستقامة والإضاءة والناحية الصحية.
وما زلنا نرى في عدة مدن من دولتنا مناطق مكتظة بالمباني القائمة على شكل علب كبريت هائلة والمسافة التي تفصلها عن عمارة مجاورة لا تتعدى المتر الواحد بحيث لا تسمح حتى بمرور الهواء مع انعدام البنية التحتية من أنظمة تصريف المياه ووجود مراكز طوارئ وحدائق...
ثم ان السؤال الملح هو: كيف ستكون حال مدننا بعد خمسين عاماً قادمة وليس 150 عاماً كما هو الحال في مدينة باريس؟
وكأنني أسمع أحدهم يصيح قائلاً: (يصير خير بعد 150 سنة، فنحن على الأقل لن نكون موجودين).
صحيح.. ولكن الأجيال المقبلة ماذا سنورث لها؟
جامعة الإمارات
