أجرى رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي تعديلاً واسعاً في حكومته (دخلها تسعة وزراء جدد وخرج منها ثمانية وعدل ثمانية آخرون وزاراتهم وحافظ عشرة وزراء فقط على حقائبهم السابقة) وهذا أول تعديل للحكومة التركية بعد الانتخابات البلدية التي جرت مؤخراً، وتراجعت فيها نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم قياساً إلى الانتخابات البلدية السابقة، وقد أرجع المراقبون أسباب الفشل إلى تراجع الاقتصاد التركي، وزيادة نسبة البطالة، والخوف من تدهور مقبل يعيد الاقتصاد إلى الحال الذي كان عليه قبل تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، إضافة لأسباب أخرى محلية.

مما فرض على أردوغان أن يهتم اهتماماً جدياً وشاملاً بالشؤون الداخلية، وعلى رأسها معالجة الصعوبات الاقتصادية سواء كانت ناتجة عن أخطاء في سياسة الحكومة أم بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، فأعاد علي باباجان وزير الخارجية إلى وزارة الاقتصاد التي كان وزيرها سابقاً، ونجح في ذلك الوقت في تعديل مسار الاقتصاد التركي وإنعاشه، وطبق خططاً وإجراءات اقتصادية مهمة أدت إلى تراجع نسب التضخم والبطالة، وحقق توازن الميزان التجاري وميزان المدفوعات.

وفي الوقت نفسه عين نعمت تشوبوكتشو وزيرة للتربية الوطنية بهدف إرضاء (العلمانيين) الذين أصبحوا يرتابون بسياسة الحكومة التربوية السابقة، كما عين بولنت أرينتش نائباً لرئيس الوزراء والمعروف عنه أنه نظيف اليد والضمير، وكان رئيساً سابقاً للبرلمان، ومن المتوقع أن يكون عوناً لأردوغان في المرحلة المقبلة، ولعل هذا القرار ينفي عن أردوغان تهمة التفرد بالسلطة.

إن المهم في هذا التعديل هو ما يتعلق بالسياسة الخارجية التركية من خلال تعيين أحمد داود أوغلو وزيراً للخارجية، لما له من دلالات مهمة، فداود أوغلو كان يعمل مستشاراً للشؤون الخارجية لرئيس الوزراء ولرئيس الجمهورية ولوزير الخارجية في الوقت نفسه.

ومن رأيه (إمكانية تحويل تركيا إلى بلد مركزي وقوة فاعلة ومؤثرة وعلى علاقة جيدة مع الجميع) ويرى أيضاً (أن انتماء تركيا إلى هويتها الإسلامية لا يتعارض مع هويتها الوطنية ولا مع تطلعاتها لتكون جزءاً من الحداثة) وكان يطالب دائماً (بانسجام تركيا مع عمقها التاريخي والحضاري والثقافي المتمثل بالعالم الإسلامي).

وقد صرح فور تسلمه مهام منصبه أنه ينبغي على تركيا أن تلعب دوراً أساسياً في القوقاز والشرق الأوسط ووسط آسيا، وبالتالي فهو من المتحمسين لبناء علاقات متينة مع الدول العربية والإسلامية وبلدان آسيا الوسطى وبعض بلدان القوقاز، على أن لا تدخل تركيا في محاور.

وتبقي المسافة متساوية بينها وبين الجميع، وأوغلو من أنصار الحق الفلسطيني، فقد أقنع أردوغان مثلاً بدعوة خالد مشعل لزيارة تركيا، وبزيارة غزة والبلدان العربية الأخرى خلال العدوان الإسرائيلي، وأن يأخذ موقفاً واضحاً داعماً للشعب الفلسطيني.

إضافة لدوره في التوسط لعقد المفاوضات غير المباشرة السورية ـ الإسرائيلية، ويقال انه هو الذي أقنع قيادة حزبه ونواب الحزب أن يرفضوا السماح للأميركيين استخدام الأراضي التركية أثناء غزو العراق، وبالإجمال فمن أهدافه المعلنة أن تتحول تركيا إلى بلد مركزي يؤخذ رأيه في مختلف القضايا الإقليمية والدولية.

لا يعني ذلك أن السياسة التي سوف يتبعها أحمد داود أوغلو ستكون من اختراعه أو أنه هو وحده الذي يضع السياسة الخارجية للحكومة التركية، بل ان الحكومة التركية التي تريد أن تصحح سياستها الإقليمية، وتقوي دورها الإقليمي والدولي، وعلاقتها مع الاتحاد الأوروبي، اختارت أحمد أوغلو وزيراً لخارجيتها لأنه من المؤيدين لهذه السياسة، وربما من المحرضين عليها ومؤسسيها (يصفه الأتراك بكيسنجر تركيا).

وبالتالي فإن تعيينه يعتبر مؤشراً لتصحيح السياسة التركية، وعنواناً للسياسة الجديدة التي تقرّب تركيا أكثر فأكثر من وسطها العربي والإسلامي ومن العالم التركي في بلدان وسط آسيا، وتعطيها فرصة لتلعب دوراً أساسياً في القوقاز، وفي الوقت نفسه تتيح لها الضغط على الأوروبيين والأميركيين وإقناعهم بقوة تركيا وقدراتها الإقليمية ودورها المركزي الذي يتجاوز كونها صلة وصل بينهم وبين بلدان المنطقة.

خسرت تركيا كثيراً من فضائها ومجالها الحيوي وعمقها الجغرافي والثقافي خلال ثلاثة أرباع القرن منذ قيام الجمهورية، وقدمت خلال هذه المدة خدمات لحلف شمال الأطلسي وللعالم الرأسمالي الغربي ولأوروبا، دون أن يقدم لها هؤلاء شيئاً، أو أن يقبلوها داخل إطارهم وفي محيطهم وأسرتهم، فقد استُخدمت رأس حربة ضد الاتحاد السوفييتي أيام الحرب الباردة، وأُبعدت عن عالمها شرق المتوسطي والإسلامي، ولكن ذلك لم يشفع لها لتقبل في الاتحاد الأوروبي، أو تعتبر دولة أوروبية، وبدلاً عن ذلك سارت في طريق كادت تفقد فيه ثقافتها وهويتها الثقافية والسياسية، مما قادها إلى تعميق فصلها الجغرافي عن البلدان الشقيقة المحيطة.

لقد (غربها) الغرب دون أن تصبح غربية لا باقتصادها ولا بثقافتها ولا بدولتها ولا بتقاليدها ولابمعاييرها الأخرى. بل خسرت تراثها وتاريخها وعلاقتها مع المحيط، فلا أصبحت أوروبية ولم تبق آسيوية.

أدركت تركيا متأخرة إمكانياتها الإقليمية والظروف الموضوعية المحيطة بها وقدراتها المختزنة، والشرط الإقليمي والدولي الموائم لها كي تلعب دورها الإقليمي باقتدار، وتشكل قوة مهمة ذات تأثير يصعب تجاهله في وسط آسيا والعالمين العربي والإسلامي ومناطق القوقاز المجاورة لها وبالتالي بالسياسة العالمية، ولا شك أنه إذا استفادت السياسة التركية من هذه الظروف إضافة إلى إمكانياتها وقدراتها، سيدرك الأوروبيون عند ذلك أهمية التودد إليها واحترام آرائها ومصالحها، وستجدهم يسعون لإدخالها في اتحادهم. وربما كانت هذه أهداف السياسة التركية المقبلة وصحوتها.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org