محزن الوضع العربي ويدعو للأسى حين يفتقد القدرة على تحريك الخيارات، بما يتناسب مع المصالح والحقوق العربية. منذ أن تم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في العام 1979، بدأ العرب تراجعهم تدريجياً نحو التخلي عن خيار القوة والحرب، وتجاهلوا العبارة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد حرب يونيو 1967، وهي «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».

في أحداث كثيرة وحروب محدودة وقعت وإن كانت مدمرة وقعت بعد كامب ديفيد، أقلها حروب ضد إسرائيل التي تحتل أراضي عربية وتصادر حقوقاً تاريخية وأكثرها حروب بين العرب بعضهم مع البعض الآخر إلى أن استنزفت قدرتهم على التوحد، وامتلاك مصادر القوة، وإدارة الفعل، وليس المقصود فقط القوة العسكرية.

وبالرغم من أن العرب من أبرز مستوردي الأسلحة، حيث استهلكوا مئات مليارات الدولارات، إلا أنهم ما يزالون يشعرون بالضعف، وبالخوف أكثر على استقرار بلدانهم وعلى استمرار أنظمتهم السياسية.

من يمعن التحليل في مجريات الأحداث، وتحديداً في التجربة الإيرانية، بأبعادها المختلفة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والاستراتيجية، والاتجاه الذي تسير نحوه الأمور لابد أن يشعر بكثير من الخجل إزاء محدودية العقل السياسي العربي.

وبغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع أبعاد واستهدافات الفعل الإيراني بمختلف مستوياته وأدواته، إلا أن إيران فرضت على الولايات المتحدة، والأوروبيين، وعموماً اللاعبين المهمين على المستوى الدولي، فرضت عليهم التعامل مع إيران وفق مبدأ المصالح، وفي اتجاه مراعاة المصالح الإيرانية الوطنية والإقليمية.

قبل إيران جرت محاولة من قبل العراق لامتلاك مفاعل إنتاج الطاقة النووية، فقصفته إسرائيل ودمرته ولكن دون أن تدمر طموح العراقيين الذين حاولوا مرة أخرى، لكنهم أخطأوا في ممارسة السياسة مع أشقائهم العرب، وأخطأوا حين وصفوا ثقتهم في الولايات المتحدة.

وحاولت ليبيا، وكانت المحاولة من حيث المبدأ صحيحة، لكنها فشلت واضطرت لتفكيك برنامجها النووي وسلمته للوكالة الدولية للطاقة الذرية لأنها لم تلاق الدعم العربي الكافي، حين تعرضت لحصار أميركي ودولي ظالم وقاس. في الحالتين العراقية والليبية، لم يكن الدافع بالضبط تحرير فلسطين، وربما كان ذلك جزءاً من الدوافع لكن الأساس هو السعي وراء امتلاك قوة الوجود والفعل في عالم لا يحترم الضعفاء.

لم تتكرر التجربة، رغم أن محيط المنطقة العربية شهد تطورات مذهلة في مجال امتلاك القدرة النووية، وكان أولى بالعرب أن يفعلوا ذلك بعد أن تأكدوا من أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية قدرها البعض بمائتي رأس نووي حربي.

الهند و باكستان ليستا دولاً تمتلكان ما يمتلكه العرب من قدرات اقتصادية أو دوافع لكنهما أصبحتا قوتين نوويتين، ولحقت بهما كوريا الشمالية. والآن إيران، وكل هؤلاء بعد إسرائيل، يمتلك العرب كل المناصرة والقوة التقليدية والمعروفة، لكنهما قوة مبددة، عاجزة، فهم يمتلكون البعد الجيوسياسي، ويمتلكون البعد الديمغرافي، ويمتلكون أيضاً القدرات المالية.

وبالتالي فإن بإمكانهم أن يوظفوا ما يملكون لإنتاج قوة اقتصادية وقوة عسكرية تضعهم على خارطة الفاعلين وليس على خارطة المفعول بهم كل الوقت. وفوق هذا فإنهم يمتلكون إرادة العمل، أو حتى حماية العقول والكفاءات العلمية التي لم تجد مكاناً في أوطانها، أو دفعت نحو البحث عن أوطان أخرى. تجبرهم على أن يكونوا تروساً في سياسات تعمل ضد بلدانهم الأصلية.

لقد خاضت المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية عام 1982، حربها لوحدها ضد إسرائيل التي اجتاحت لبنان، واحتلت عاصمته بيروت، ثم خاضت المقاومة اللبنانية معاركها لتحرير الجنوب لوحدها، وتكرر ذلك في حرب يوليو 2006، وفي الحروب الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يكن لدى العرب القدرة على حماية المقاومة، ولا على دعمها، بل إن خوف الأنظمة العربية من تداعيات ورياح المقاومات العربية كان أكبر من خوفهم من إسرائيل المحتلة والمعتدية، وفي أحسن الأحوال حين توفرت النية لتقديم الدعم غابت الإرادة وغابت القدرة.

في القمة العربية التي انعقدت في القاهرة يونيو 1996، سجن العرب أنفسهم في خيار واحد، واعتبروا أن السلام هو خيارهم الاستراتيجي الوحيد، ومنذ ذلك الوقت راهنوا على قوة المنطق والحقوق، مقابل حق القوة الغاشمة التي تمتلكها إسرائيل، راهن العرب على حسن نوايا القوة الأميركية العظمى التي تتربع على عرش النظام الدولي الجديد، إلى أن سلبتهم ما تبقى لهم من قوة.

وأخذت تتطلع إلى إعادة صياغة أوضاع المنطقة، بحيث تتكيف مع المصالح والاستراتيجية الأميركية وتخدمها، الأمر الذي يخدم أيضاً المصالح والاستراتيجية الإسرائيلية التي تسعى لمصادرة الحقوق العربية، وإلى توسيع نفوذها ومصالحها لتشمل المنطقة بأكملها.

اليوم يشكو العرب من التهديد الإيراني، ويرفعونه أحياناً إلى مستوى التهديد الإسرائيلي، فيضطر وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس لطمأنتهم من أن بلاده لن تقيم علاقاتها وحساباتها مع إيران على حسابهم. اليوم يقدم نتنياهو نفسه باعتباره المخلص. فهو القادر والراغب في مواجهة التهديد الإيراني، الذي يطال إسرائيل والمعتدلين العرب.

قد يطالب نتنياهو بإقامة حلف معلن أو غير معلن مع العرب المعتدلين على خلفية مجابهة التهديد الإيراني، وثمة من يطالب العرب بتطبيع علاقاتهم مع إسرائيل، والإدارة الأميركية تطالب العرب بتعديل مبادرتهم للسلام بحيث يتم استبدال البند المتصل بحق عودة اللاجئين إلى العمل من أجل توطينهم. اليوم ثمة ثلاثة أطراف فاعلة تساهم في إعادة صياغة المنطقة، الولايات المتحدة، إسرائيل وإيران، فيما العرب منشغلون بخلافاتهم وغارقون في ضعفهم.

ينشغل العرب في خلافاتهم، وفي البحث عن وسائل خارجية من الأقوياء لأنظمتهم، وينشغلون في طموحاتهم الصغيرة، ويحبسون أنفسهم في خيار واحد لم يوفروا له الحد الأدنى من عوامل النجاح، ولذلك فإنهم سيكونوا ضحايا هذا الخيار قبل أن يستفيقوا من غفوتهم «الواعية».

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com